صدى مصرمقالاتمنوعات

نحن الذين صوّروا حياتهم حتى نسوا أن يعيشوها. كتب/محمد رمضان أمين

نحن الذين صوّروا حياتهم حتى نسوا أن يعيشوها

لقد صوّرنا كل شيء… إلا الخراب الذي فينا
 

 

كتب/محمد رمضان أمين

يبدو أننا وصلنا إلى زمن لم يعد الإنسان فيه يريد أن يعيش حياته، بل يريد أن يصورها. لم يعد يكفي أن تكون سعيدًا… يجب أن يعرف الناس أنك سعيد. ولا يكفي أن تحزن… يجب أن يكون هناك من يصور حزنك من الزاوية المناسبة. وحتى المصائب لم تعد مصائب كاملة، إلا إذا حصلت على عدد محترم من المشاهدات.

زمان، كان الإنسان يخاف أن يراه الناس وهو يخطئ. اليوم، يخاف أن يخطئ ولا يراه أحد. وهذه وحدها تكفي لنعرف إلى أين وصلنا.

تبدأ الحكاية بألف مشاهدة، ثم تصبح الألف إهانة شخصية. مئة ألف؟ ما زلنا مجهولين. مليون؟ جميل، لكن لماذا لم يتحدث عنا أحد في الشارع؟ ثم يبدأ العقل في البحث عن الحل العبقري: ماذا لو اتهمنا أحدًا؟ ماذا لو صورنا إنسانًا في لحظة ضعفه؟ ماذا لو فتحنا بابًا مغلقًا؟ ماذا لو نشرنا ورقة لا تخصنا؟ لا تقلق.

الترند يعرف طريقه. لقد أصبح لدينا نوع جديد من المشاهير؛ أشخاص لا يملكون موهبة تدهشك، ولا فكرة تغير حياتك، لكنهم يملكون شيئًا أكثر أهمية: القدرة على تحويل أي مصيبة إلى محتوى.

إنسان يبكي؟ صوّره.

اثنان يتشاجران؟ صوّرهما.

موظف أخطأ؟ صوّره.

طفل في موقف محرج؟ صوّره.

شخص يحتضر من الخجل؟ اقترب قليلًا… الصورة تحتاج إلى وضوح.

ثم نعود إلى بيوتنا سعداء، لأننا «وثّقنا الحدث».

وكأننا لم نعد نعيش في مجتمع، بل في استوديو كبير، وكل إنسان فيه كاميرا تنتظر أن يسقط الإنسان الآخر أمامها. المشكلة أن الكاميرا لم تتغير.

نحن الذين تغيرنا أمامها. أصبحنا نسأل عن المشاهدة قبل أن نسأل عن الحقيقة، وعن عدد المشاركات قبل أن نسأل عن صاحب الحكاية، وعن الترند قبل أن نسأل: هل ظلمنا أحدًا؟ وكأن الحقيقة نفسها أصبحت تحتاج إلى مدير تسويق.

حتى الكذبة لم تعد تخجل من نفسها. تضع عنوانًا جذابًا، وموسيقى حزينة، وصورة مقربة، ثم تقف أمام المرآة وتقول بثقة: «أنا فقط أنقل الحقيقة».

لا يا صديقي. أنت لم تنقل الحقيقة, أنت عملت لها مونتاجًا. حذفت ما لا يعجب الجمهور، وأضفت ما يرفع المشاهدات، ثم تركت الحقيقة في غرفة المونتاج وحيدة.

والأغرب أننا جميعًا نشارك في هذه الجريمة الصغيرة. نقول: «عيب التشهير»، ثم نشاهد الفيديو. نقول: «حرام نشر الخصوصيات»، ثم نرسله إلى صديق. نقول: «لا نصدق الشائعات»، ثم نكتب في التعليقات: «حد يعرف القصة؟» نحن لا نريد الحقيقة تمامًا.

نحن نريد الحقيقة التي تصلح للفرجة. وهنا تحولت حياتنا إلى مسرح غريب؛ واحد يمثل، وواحد يصور، وواحد يشتم، وواحد يدافع، وواحد يصنع فيديو رد، والخوارزمية تجلس في الصف الأول وتصفق للجميع. لم يعد مهمًا من بدأ المشكلة.

المهم أن المشكلة مستمرة.

ولم يعد مهمًا من المظلوم.

المهم أن الفيديو وصل إلى مليون مشاهدة.

حتى أصبح السؤال الذي كان يمكن أن ينقذ إنسانًا من الظلم سؤالًا قديمًا جدًا: «هل ما حدث حقيقي؟»

أما السؤال الحديث فهو: «جاب كام مشاهدة؟»… يا لها من ترقية عظيمة للإنسان!

كنا قديمًا نقيس قيمة الشخص بما يعرفه، ثم بما يفعله، ثم بما يقدمه.

أما الآن، فقد أصبح الرقم هو السيرة الذاتية.

مليون متابع؟ إذن لابد أنك مهم.

حتى لو لم يعرف أحد لماذا أنت مهم.

وهنا يصبح الطفل الذي يراقبنا أكثر ذكاءً منا.

سيرى شخصًا يكذب فيشتهر.

ويرى آخر يفضح الناس فيشتهر. وثالثًا يفتعل أزمة فيشتهر.

وسيتعلم الدرس بسرعة: لا تكن أفضل منهم… كن أكثر إثارة منهم.

وهذه ليست مشكلة ترند. هذه مشكلة مجتمع يربي أبناءه على أن الضوء أهم من القيمة.

نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين أكثر وضوحًا تحمي الخصوصية وتفرق بين الصحافة والتشهير، وبين كشف الفساد الحقيقي واقتحام حياة الناس، بل نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر إزعاجًا: متى أصبح سقوط إنسان آخر فرصة صعود لنا؟

متى أصبح وجع شخص مادة للترفيه؟ ومتى أقنعنا أنفسنا أن امتلاك الهاتف يمنحنا الحق في امتلاك حياة الآخرين؟ الشهرة ليست عيبًا. والترند ليس جريمة. والصحافة ليست جريمة. والتصوير ليس جريمة.

لكن أن تجعل حياة الناس سلمًا تصعد عليه، ثم تسمي ذلك نجاحًا… فهذه مأساة ترتدي بدلة عصرية.  والمأساة الأكبر أننا أحيانًا نكافئها. نحن الذين نصنع النجم، ثم نشكو من النجوم.

نحن الذين نرفع الفيديو، ثم نغضب من صاحبه. نحن الذين نفتح الباب للفضيحة، ثم نتساءل لماذا أصبحت الفضيحة ثقافة. لقد صنعنا سوقًا لا يُباع فيه الذهب، بل تُباع فيه أسرار الناس.

وصار بعضهم يعرف جيدًا أن أسهل طريق إلى الشهرة ليس أن يقدم شيئًا عظيمًا، بل أن يجد شخصًا أقل حظًا منه، ثم يضعه أمام الكاميرا. وهكذا أصبح لدينا جيل يطارد الضوء، دون أن يسأل لماذا. وربما لو توقف قليلًا لوجد أن بعض الأضواء لا تكشف الطريق…

بعضها يحرق من يقف تحته. ستنتهي المشاهدة. وسيأتي ترند جديد. وسينسى الناس وجهك، كما نسوا وجه الذي قبلك. لكن الإنسان الذي شوهته من أجل دقيقة شهرة قد لا ينسى. والإنسان الذي باع خصوصيته قد يستعيد هاتفه بعد سنوات، ويفتح الفيديو القديم، ثم يكتشف أن الشيء الوحيد الذي لم يعد يملكه هو نفسه.

وربما يسأل: ماذا ربحت؟ مليون مشاهدة؟ مليون إعجاب؟ آلاف التعليقات؟ ثم يكتشف، بعد أن يهدأ كل شيء، أن الشهرة التي كان يخاف أن يفقدها لم تكن تستحق أن يفقد نفسه من أجلها.

لقد أصبحنا نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يصنع ضجيجًا هائلًا حول لا شيء. وربما هذه هي مأساتنا الحقيقية: أننا لم نعد نبحث عما يستحق أن يُقال… بل عما يجعل الناس تتوقف لتتفرج. وفي النهاية، ليست المشكلة أن تكون مشهورًا.

المشكلة أن تصبح حياتك كلها بضاعة، وأن يصبح الآخرون مادة خامًا لشهرتك. فبعض الناس لم يعودوا يبيعون كرامتهم من أجل المال… بل من أجل أن يعرف الناس أنهم موجودون. وهذه ربما تكون أكثر صور الفقر قسوة.

أن يملك الإنسان هاتفًا يصور به العالم كله… ولا يملك شيئًا يستحق أن يُرى فيه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى