د. علي الدكروري يكتب: من الاستقرار إلى الإنتاج.. الاقتصاد المصري أمام مرحلة جديدة
يمر الاقتصاد المصري بمرحلة مهمة تتطلب البناء على ما تحقق من استقرار، والانتقال بصورة أكبر إلى اقتصاد يقوده الإنتاج والاستثمار والتصدير، مع تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في تحقيق النمو.
ومن هذا المنطلق، أرى أن إعداد برنامج اقتصادي وطني للمرحلة المقبلة، عقب انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، يمثل خطوة مهمة، خاصة مع تأكيد الحكومة أن البرنامج الجديد سيكون برنامجًا وطنيًا، وسيُطرح للحوار مع الخبراء والمتخصصين قبل إعلانه بصورة نهائية، مع تحديد أهداف واضحة قابلة للقياس والمتابعة.
وهنا تكمن أهمية أن يكون البرنامج الجديد قائمًا على مؤشرات حقيقية يشعر بها المواطن والمستثمر، وليس فقط على أرقام مالية ونقدية تتحسن على الورق.
الإنتاج يجب أن يكون في قلب البرنامج الاقتصادي الجديد.
فالصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير تمثل الركائز الأساسية لأي نمو مستدام، لأنها توفر فرص العمل، وتدعم موارد الدولة من النقد الأجنبي، وتقلل الاعتماد على الواردات.
والأمر لا يتعلق فقط بإنشاء مصانع جديدة، وإنما ببناء سلاسل إنتاج متكاملة داخل الاقتصاد المصري، بحيث يرتبط المصنع الكبير بعشرات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي توفر المكونات والخدمات واحتياجات الإنتاج محليًا.
كلما زادت نسبة المكون المحلي، انخفضت فاتورة الاستيراد، وارتفعت القدرة التنافسية للمنتج المصري، وأصبح التوسع في التصدير أكثر واقعية واستدامة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن ننظر إلى الاستثمار من زاوية مختلفة؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز والإعفاءات، وإنما يبحث قبل كل شيء عن السرعة والوضوح والاستقرار.
ومن واقع الاستثمار وإدارة الأعمال، فإن أحد أهم الأسئلة التي يطرحها المستثمر هو: كم يستغرق الوقت من اتخاذ قرار الاستثمار إلى بدء التشغيل والإنتاج؟
لذلك فإن استمرار الدولة في تبسيط إجراءات التراخيص، وتوحيد التعامل مع الجهات المختلفة، والتحول الرقمي، وتسريع تخصيص الأراضي وتوصيل المرافق والإفراج الجمركي، يمثل في حد ذاته حافزًا استثماريًا مهمًا.
فكل يوم يتم اختصاره في دورة تأسيس وتشغيل المشروع يعني فرصة أسرع للإنتاج، وفرص عمل جديدة، وعائدًا اقتصاديًا أكبر.
كما أن الاستثمار المحلي يجب أن يحتل موقعًا متقدمًا بالتوازي مع جذب الاستثمارات الأجنبية. فالاستثمار الأجنبي مهم للاقتصاد المصري، لكن ثقة المستثمر المصري تظل عنصرًا أساسيًا في بناء بيئة استثمار جاذبة ومستدامة.
وعندما يجد رجل الأعمال المصري قواعد واضحة وإجراءات سريعة وتمويلًا مناسبًا وفرصًا حقيقية للتوسع، فإنه يصبح شريكًا طبيعيًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، كما أن الشركات المصرية القوية يمكنها أن تكون حلقة وصل مهمة مع رأس المال والخبرات والأسواق العالمية.
ومن الملفات المهمة كذلك إدارة الدين العام بصورة تدعم النمو، من خلال تحسين إدارة الدين، وخفض تكلفة خدمته تدريجيًا، وإطالة آجال الاستحقاق وتنويع مصادر التمويل.
لكن الأهم هو توجيه التمويل إلى المجالات القادرة على خلق قيمة مضافة وتدفقات اقتصادية مستقبلية؛ فتمويل مشروع إنتاجي يرفع الطاقة الصناعية أو يدعم الصادرات يختلف اقتصاديًا عن إنفاق لا يخلق عائدًا مستدامًا.
وهنا يجب أن يستمر العمل على توفير مساحة أكبر داخل الموازنة للتعليم والصحة والاستثمار والتنمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط المالي.
ولا يمكن أن ينجح أي برنامج اقتصادي جديد دون الاستثمار في الإنسان.
فالمستثمر يستطيع استيراد أحدث المعدات والتكنولوجيا خلال فترة قصيرة، لكنه يحتاج إلى سنوات لبناء كوادر من الفنيين والمهندسين والمديرين القادرين على تشغيل هذه المعدات وتطويرها وتحقيق أعلى إنتاجية منها.
ولهذا يجب أن يصبح التعليم الفني والتدريب والجامعات أكثر ارتباطًا باحتياجات الصناعة وسوق العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باعتبارها جزءًا أصيلًا من السياسة الاقتصادية وليست ملفات منفصلة عنها.
وفي المقابل، تظل الحماية الاجتماعية عنصرًا أساسيًا في مسار الإصلاح، لأن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات، وإنما بمدى انعكاس هذا التحسن على حياة المواطن.
ومن المهم أن يسير رفع كفاءة الاقتصاد وزيادة الإنتاج والاستثمار جنبًا إلى جنب مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا وتحسين مستوى الخدمات الأساسية.
وفي تقديري، فإن المعيار الحقيقي لنجاح البرنامج الاقتصادي الوطني الجديد يجب أن يتجاوز تحسن المؤشرات المالية والنقدية، ليصل إلى مؤشرات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي وحياة المواطن: مصانع أكثر، إنتاج أكبر، صادرات أعلى، شركات مصرية تتوسع، فرص عمل أفضل، ودخل حقيقي يتحسن بصورة مستدامة.
فالمرحلة السابقة كانت ضرورية لتحقيق الاستقرار، أما المرحلة المقبلة فيجب أن تكون مرحلة تحويل الاستقرار إلى نمو، والنمو إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل ودخل وتحسن مستدام في مستوى معيشة المواطن.
وهذا في رأيي هو الاختبار الحقيقي لأي برنامج اقتصادي وطني في المرحلة المقبلة.








