مقالات

ومهرجان “حرافيش المولد” أيضا!      وجيه الصقار 

.. ومهرجان “حرافيش المولد” أيضا!

وجيه الصقار

تعرض مولد ‘السيد البدوى” لانتقادات شديدة من البعض على أنه نوع من الدجل والبعد عن الدين، فمن يجد مبررا ل”مهرجان الجونة” يجد ألف مبرر للملايين من رواد الموالد من “الحرافيش”، الفئة اليائسة، البائسة، المطحونة تندفع نحو الموالد، نوعا من العلاج. وتنتشر الموالد مع شعب مكبوت ضعيف يحاصره اليأس من المستقبل ولافرق فى مستوى التعليم غالبا .

فالتفسير العلمى أن أكثرهم ينتمون إلى الطبقات الهامشية والفقيرة والمكافحة من العمالة اليومية،الباعة الجائلين والحرفيين ممن يعانون صراع الحياة اليومى. فهم الفئة المهمشة المظلومة، ويمثل المولد وسيلتهم ضد اليأس والاستسلام. المولد ليس فقط احتفالا دينيا، بل هو “مؤسسة علاج نفسى جماعى” تعالج صحة الإنسان النفسية المقهورة وهو تفريغ انفعالي وسط الزحام : الحضرات، الإنشاد، والذكر، تتيح للفرد أن يصرخ، يبكي، يندمج، ويرقص بعشوائية وحرية دون خوف من وصمة المجتمع أو انتقاد الآخرين. وتفريغ للكبت والتوتر، والقهر اليومى فإن المولد علاج تحتاجه السيدات المقطورات مثل الرجال، فيشعر الفقير والمهمش بأنه أصبح ملكاً في مشاعره لساعات محدودة، وتزول الفوارق الطبقية تحت خيام الصوفية أو حول ساحات الأولياء. لأن فى حياتهم العادية غالباً ما يشعر هؤلاء الحرافيش أنهم على هامش المجتمع لاوزن لهم، يحبون الأولياء ويقدمون النذور، يتعارف المريدون فى هذه الأثناءط، ويستعيد الفرد شعوره بالانتماء والقيمة الذاتية. بأنه جزء من “جماعة” تحميه وتحتضنه روحيا وتعطيه الأمل والاعتقاد فى البركة، وطاقة روحية تعوض آلامهم وعجزهم فى المعيشة.

فالإنسان بطبيعته يحتاج “قوة كبرى” يلجأ إليها حين يعجزعن تغيير واقعه. مما جعل علماء النفس يسألون هل الموالد علاج أو مسكن فهى “المسكن النفسي”. تعالج النفوس المدمرة مع الأزمات. وتمنح الروح طاقة لتحمل الضغوط، فالمولد ليس هروباً ، بل هو مساحة تواصل اجتماعي تكفل للناس الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة قسوة العالم.

حرافيش الموالد ليسوا مجرد ضحايا بؤس ويأس يعانون من الهلوسة الروحية، بل هم بشر أذكياء بالفطرة وجدوا في التراث الشعبي والديني وسيلة دفاع نفسية عبقرية للبقاء على قيد الأمل. المولد بالنسبة لهم ليس مستشفى نفسياً بالمعنى الطبي، لكنه مساحة للحرية المؤقتة، وتنفس حقيقي للروح في عالم يضيق عليهم كلما طغت المادية والقسوة والمعيشة وتقلصات الحريات وانتشر الكبت.

زر الذهاب إلى الأعلى