السلام الاستراتيجي والدبلوماسية الملكية: كيف حسم المغرب رهانات النزاع المفتعل؟
بمناسبة عيد الشباب المجيد، يطيب لي أن أتقدم بهذه القراءة المتجددة للواقع السياسي بين المغرب والجزائر، مع إبراز محورية الدبلوماسية الملكية في إعادة رسم موازين القوى.
عندما أغلقُ كتبي وأتأملُ خارطة المنطقة، أجدُ نفسي أمام حقيقة جيوسياسية لا مفر منها: المغرب والجزائر يخوضان “حرباً باردة” مغاربية؛ ليست حرب الميدان والعسكر، بل صراع إرادات، وسياسة فرض الأمر الواقع، ومحاولات استنزاف وتطويق دبلوماسي.
بين ثعلب السياسة وفيلسوف السلام
تقوم أدبيات العلاقات الدولية على جدلية متناقضة:
الأولى (الواقعية المباشرة): التي ينظر إليها هنري كيسينجر، ثعلب الدبلوماسية الدولية، إذ يرى أن الدول العظمى لا تحرك ساكناً للحلول الجوهرية بل تكتفي فقط بـ “إدارة الأزمات” ومنع انفجارها، مع الاحتفاظ بـ “فن الإمكان” للتأثير على موازين القوى.
الثانية (الأخلاق الفلسفية): التي يطرحها إيمانويل كانط، حيث يرى أن السلام الدائم لا يولد إلا من رحم الإرهاق الشامل لأطراف النزاع، أو من خلال الانصياع التام للمبادئ والأخلاق الدولية.
غير أن تطبيق هذين المنظورين على الواقع المغاربي يضعنا أمام مفارقة فريدة:
لا توجد أزمة حادة تضغط على العالم للتدخل الجذري؛ فالمغرب يرفض تدويل شؤونه، والجزائر تعجز عن فرض رؤيتها على القوى العظمى.
ولا يوجد إرهاق يدفع نحو التصالح، لأن المغرب يواصل حصد المكاسب الميدانية والدبلوماسية، بينما تصر الجزائر على موقفها رغم حصار خياراتها.
تاريخ الإمبراطورية والدبلوماسية الملكية
إن فهم الموقف المغربي يستوجب الرجوع إلى طبيعة الدولة المغربية؛ فالملكية في المغرب ليست وليدة حدود الاستعمار، بل هي امتداد لـ إمبراطورية تاريخية عريقة استمرت لقرون. ومن رحم هذا الموروث الإمبراطوري، تُدار الدبلوماسية الملكية بنفس استراتيجي طويل، يقوده العاهل المغربي برؤية هادئة ورزينة تحول دون السقوط في فخ الاستفزازات الإقليمية.
في المقابل، لم يكن النزاع في الصحراء المغربية ليوجد لولا الدعم الجزائري المتواصل لجبهة البوليساريو—وهو دعم أوجد كياناً واهياً وظفته الجارة كمصد جيوسياسي محاولةً خلق توازن نفوذ يحد من الامتداد الطبيعي للإمبراطورية المغربية السابقة.
الحكمة المغربية: الحكم الذاتي وتغيير قواعد اللعبة
لم يكتفِ المغرب بـ “إدارة الأزمة” كما يتصور ثعالب السياسة الدولية، بل بادر بإبداع حل استراتيجي يوازن بين متطلبات الشرعية الدولية ومقتضيات السيادة والواقعية؛ حيث طرح مبادرة الحكم الذاتي الموسع تحت الوصاية الملكية والسيادة الوطنية الكاملة.
هذا الخيار ليس تنازلاً ولا خياراً مؤقتاً، بل هو استيعاب عميق لمفهوم “فن الممكن”؛ فهو يمنح الساكنة المحلية حق إدارة شؤونها التنموية والاجتماعية في إطار ديمقراطي موسع، بينما تتولى المؤسسة الملكية الحفاظ على السيادة الوطنية والأمن والرموز التاريخية للدولة. وبذلك تحول المقترح المغربي إلى المرجع الوحيد الحائز على الدعم والتأييد الدولي المتزايد كحل واقعي وعملي.
خاتمة
إننا لا نعيش مجرد “سلام مرقع” أو هدنة هشة، بل نشهد صموداً لدولة ذات عمق إمبراطوري تُتقن صياغة السلام بمبادرات ذاتية تحظى بالشرعية. وإذا كان السلام الكانطي يتطلب تغليب العقل، فإن الوصول إليه في المنطقة المغاربية سيبقى مرهوناً بتخلي النظام الجزائري عن رهانات الماضي وتراكمات الحرب الباردة، والاعتراف بأن دينامية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي المخرج الوحيد لبناء مستقبل إقليمي موحد وآمن.
عبد المجيد عبوبي








