حين حاول المؤيد شيخ أن يعيد للسلطان هيبته
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين حاول المؤيد شيخ أن يعيد للسلطان هيبته
من أميرٍ خرج من الفوضى إلى سلطانٍ حاول أن يعيد بناء الدولة من جديد
لم يكن العرش الذي جلس عليه المؤيد شيخ في القاهرة سنة 1412م عرشًا هادئًا.
كان العرش نفسه قد خرج لتوه من واحدة من أعنف أزمات الدولة المملوكية.
فرج بن برقوق قُتل بعد هزيمته.
والمستعين بالله، الخليفة العباسي، جلس على العرش فترة قصيرة، لكنه لم يستطع أن يحوّل الشرعية إلى قوة حقيقية.
والأمراء الذين صنعوا سقوط فرج لم يكونوا قد اتفقوا على شيء سوى أنهم لا يريدون أن يتركوا الدولة لرجل أقوى منهم.
ثم ظهر شيخ المحمودي.
أميرًا أولًا.
ثم صاحب نفوذ.
ثم سلطانًا يحمل لقبًا سيصبح معروفًا في تاريخ المماليك:
المؤيد شيخ.
لكن المشكلة لم تكن في الوصول إلى العرش.
فالوصول إلى العرش كان أحيانًا أسهل من البقاء فوقه.
لقد ورث المؤيد دولةً ما زالت تعيش آثار تيمور، وانقسامات الأمراء، واضطراب الشام، والأزمات الاقتصادية، والأوبئة، وتراجع قيمة النقد، وتراجع هيبة المركز.
ولهذا كان السؤال الذي واجهه منذ اللحظة الأولى مختلفًا تمامًا:
هل يستطيع رجل واحد أن يعيد للسلطان سلطةً كادت أن تصبح مجرد اسم؟
السلطان الذي عرف الطريق إلى العرش قبل أن يجلس عليه
لم يكن المؤيد شيخ ابن سلطان.
وهذه النقطة وحدها تفسر كثيرًا من شخصيته السياسية.
فهو لم يرث مكانه في طبقة الحكم، وإنما صعد داخل النظام المملوكي نفسه.
اشتراه برقوق وهو صغير، ونشأ في البيئة التي كانت تصنع رجال الدولة المملوكية.
ثم كبر داخل المؤسسة العسكرية، وتدرج في المناصب، وعرف الشام ومراكزها، وعرف القاهرة وأمراءها، وعرف أيضًا شيئًا أكثر أهمية:
عرف كيف يفكر الأمراء.
وفي عهد فرج تولى مناصب مهمة، وكان له حضور في الحياة السياسية والعسكرية، حتى أصبح واحدًا من الرجال الذين لا يمكن تجاهلهم في ميزان القوة.
ثم جاءت السنوات الأخيرة من حكم فرج.
كان كل أمير يحاول أن يعرف أين يقف.
وكان الشيخ يعرف أن الدولة لا تحتاج إلى رجل يملك الشجاعة وحدها.
بل إلى رجل يستطيع أن يختار اللحظة التي يستخدم فيها قوته.
وهكذا وصل إلى العرش في 6 نوفمبر 1412م.
لكن وصوله لم يكن نهاية الصراع.
كان بدايته الحقيقية.
عرش بلا أمان
عندما أصبح الشيخ سلطانًا، لم يجد أمامه دولة مستقرة.
وجد القاهرة مثقلة بالأزمات.
وجد أمراء ينتظرون أن يعرفوا إلى أي اتجاه ستذهب الريح.
ووجد الشام التي لم تكن مستعدة بالضرورة لقبول سلطان جديد لم يصنعه أمراؤها.
وكان هناك أيضًا نوروز، أمير دمشق، أحد أقوى رجال الدولة، والذي لم يكن مستعدًا لأن يتحول من صاحب نفوذ إلى تابع للسلطان الجديد.
وهنا ظهر الاختبار الأول.
فالمؤيد لم يكن يستطيع أن يحكم مصر والشام إذا بقيت دمشق خارج طاعته.
وفي الوقت نفسه، لم يكن يستطيع أن يترك نوروز يزداد قوة.
لأن الدولة المملوكية كانت قد دفعت ثمنًا غاليًا خلال السنوات السابقة بسبب وجود مركزين للقوة:
قاهرة تملك اسم السلطنة…
ودمشق تملك قوة الأمراء.
وكان لا بد من كسر هذا التوازن.
نوروز… الرجل الذي رفض أن ينحني
لم يعترف نوروز بسهولة بسلطة المؤيد.
وكان خلفه نفوذ عسكري وسياسي كبير في دمشق.
ولم يكن الخلاف مجرد خلاف بين رجلين.
كان صراعًا على شكل الدولة نفسها.
هل تكون القاهرة هي مركز القرار؟
أم يصبح لكل أمير قوي دولة داخل الدولة؟
المؤيد فهم أن ترك نوروز في دمشق يعني أن تجربة فرج قد تعود من جديد.
فبدأ يعد نفسه للمواجهة.
ولم يكن يريد معركة تنتهي بانتصار مؤقت.
كان يريد أن ينهي قدرة دمشق على إنتاج سلطان آخر.
وهكذا تحرك الصراع ببطء نحو الشام.
عندما عادت دمشق إلى حساب القاهرة
خرجت القوات المملوكية إلى الشام.
وكانت المواجهة مع نوروز طويلة ومكلفة.
فهو لم يكن أميرًا عاديًا يمكن عزله بقرار.
كان يملك رجالًا ومدينة ونفوذًا وذاكرة سياسية صنعتها سنوات الصراع.
لكن المؤيد كان يملك شيئًا افتقده فرج:
الصبر السياسي.
لم يتعامل مع الأمر وكأنه معركة واحدة.
بل تعامل معه باعتباره مشروعًا لإعادة إخضاع الشام للسلطة المركزية.
وبعد حصار وصراع، انتهت مقاومة نوروز في دمشق سنة 1414م.
أُلقي القبض عليه، وانتهى أمره بالقتل.
وبذلك سقط أحد أكبر مراكز القوة التي كانت قادرة على تحدي المؤيد.
ولم يكن سقوط نوروز مجرد انتصار عسكري.
كان إعلانًا بأن مرحلة تعدد مراكز القوة داخل الدولة بدأت تنتهي.
وتشير المصادر إلى أن نوروز رفض الاعتراف بالمؤيد، ثم حوصر في دمشق حتى هُزم وأُعدم سنة 1414م.
المؤيد لا يريد أن ينتصر فقط بل أن يمنع تكرار فرج
هنا يظهر الفرق بين المؤيد وفرج.
فرج كان يخوض حملات عسكرية متكررة ثم يعود إلى القاهرة، فتعود المشكلة من جديد.
أما المؤيد فكان يريد أن يترك وراءه نظامًا سياسيًا جديدًا.
لم يكن هدفه أن يهزم أميرًا اليوم.
بل أن يمنع ظهور أمير يستطيع غدًا أن يجمع حوله دمشق ضد القاهرة.
ولهذا بدأ يعمل على تثبيت رجاله في مراكز القوة.
وأعاد ترتيب التوازنات بين الأمراء.
وأصبح واضحًا أن السلطان لا يريد أن يعيش التجربة نفسها التي عاشها أسلافه.
فهو لم يكن يريد أن يكون أول سلطان في القلعة وآخر رجل يعرف ما يجري خارجها.
كان يريد أن تكون القاهرة مركز الدولة فعلًا.
السلطان يدخل إلى معركة الاقتصاد
لكن السلطة لا تُبنى بالسيف وحده.
فالمؤيد ورث اقتصادًا مضطربًا.
الأوبئة تركت أثرها.
الحروب استنزفت الموارد.
النقد فقد جزءًا من قيمته.
والدولة كانت بحاجة إلى المال لإطعام الجند، وتمويل الحملات، وإدارة الولايات، والمحافظة على الطرق.
وهنا بدأ المؤيد يتدخل في الجانب المالي.
لم يكن الأمر مجرد جمع أموال.
كان محاولة لإعادة قدرة الدولة على الإنفاق.
فاستقرار النقد، ومقاومة اضطراب الأسواق، وإعادة انتظام الزراعة، كلها كانت ضرورية لكي تستطيع السلطنة أن تتحول من دولة تقاتل للبقاء إلى دولة قادرة على إدارة نفسها.
وتشير الدراسات إلى أن عهده شهد إجراءات لمعالجة الاضطراب النقدي، والحد من بعض الغارات البدوية، وتحسن الإنتاج الزراعي وانخفاض أسعار الحبوب مقارنة بحالة الفوضى التي ورثها.
لكن هنا تظهر مفارقة ستتكرر في تاريخ المماليك:
الدولة التي تحتاج إلى المال لكي تستقر، قد تضطر إلى إجراءات مالية تؤذي الاقتصاد على المدى الطويل.
وكان المؤيد جزءًا من هذه المعادلة التي ستظهر بصورة أوضح في عهود لاحقة.
من يملك مصر يملك بابها
لم يكن المؤيد ينظر إلى القاهرة باعتبارها مدينة فقط.
كانت القاهرة مركز الشرعية.
ومركز المال.
ومركز الجيش.
ومركز الرمزية.
ولهذا كان عليه أن يعيد تشكيل المشهد داخلها.
الأمراء الذين شاركوا في إسقاط فرج لم يعودوا جميعًا بالقوة نفسها.
والذين وقفوا مع المؤيد لم يكن من مصلحته أن يسمح لهم بأن يصبحوا نسخة جديدة من خصومه.
وهذه واحدة من أصعب مهام السلطان المملوكي:
أن تستخدم رجال القوة…
ثم تمنع رجال القوة أنفسهم من التحول إلى خطر عليك.
فالسلطان يحتاج إلى الأمراء.
لكن السلطان الذي يسمح لأمير واحد بأن يصبح أقوى من اللازم يبدأ في صناعة خصمه القادم.
السجن الذي أصبح مسجدًا
لكن المؤيد كان يحمل في داخله ذاكرة شخصية لم تنسها سنوات السلطنة.
قبل أن يصبح سلطانًا، ذاق السجن.
وتروي الرواية التي نقلها المقريزي أن الشيخ سُجن في الموضع الذي سيقيم فيه لاحقًا مسجده قرب باب زويلة، وأن معاناة السجن جعلته ينذر بأنه إذا وصل إلى السلطنة فسوف يحول المكان إلى موضع للعبادة والتعليم.
وعندما أصبح سلطانًا، نفذ ما عزم عليه.
بدأ بناء مسجد المؤيد سنة 1415م تقريبًا.
وهنا يتحول الحجر إلى جزء من السيرة.
فالمكان الذي كان يمثل بالنسبة إليه الإذلال والسجن، أصبح واحدًا من أشهر آثار القاهرة المملوكية.
ارتفعت العمارة بجوار باب زويلة.
وصار المسجد يضم مدرسة ومقابر ومنشآت مرتبطة به.
وكأن الرجل الذي قضى يومًا داخل السجن أراد أن يترك خلفه بناءً يقول:
إن المكان الذي شهد ضعفي… سيشهد سلطاني.
وقد بدأ بناء مجمع المؤيد سنة 1415م، واستمر العمل فيه خلال سنوات حكمه، وأصبح المسجد من أبرز منشآت عصره.
من القاهرة إلى الأناضول
بعد أن استقرت له مصر والشام نسبيًا، لم يعد المؤيد ينظر فقط إلى الداخل.
كانت الأناضول ما تزال منطقة شديدة الاضطراب.
فبعد ضربة تيمور للدولة العثمانية في أنقرة، تغيرت خرائط القوة.
ظهرت إمارات تركمانية.
وتنافس أمراء محليون على المدن والطرق.
وكانت مناطق مثل طرسوس وما حولها مهمة بالنسبة إلى الدولة المملوكية؛ لأنها تقع على طرق استراتيجية بين الشام والأناضول.
وهنا وجد المؤيد نفسه أمام سؤال جديد:
هل تكتفي السلطنة بالدفاع عن حدودها؟
أم تعود إلى لعب دور القوة التي تؤثر في موازين الأناضول؟
اختار المؤيد الطريق الثاني.
ولم يكن ذلك توسعًا عشوائيًا.
كانت هناك محاولة لحماية مجال النفوذ المملوكي في شمال الشام وما وراءه.
وفي 1415م تدخل المؤيد في قضية طرسوس، وأعادها إلى أمير بني رمضان أحمد، في محاولة لإعادة ترتيب التوازن في المنطقة.
طرسوس، مدينة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في حسابات الدول
قد تبدو طرسوس مدينة بعيدة عن القاهرة.
لكن التاريخ لا يقاس بالمسافة وحدها.
فالمدينة تقع في منطقة تربط الشام بالأناضول، والسيطرة على طرقها تعني التحكم في حركة الجيوش والتجارة.
وكان المؤيد يعرف أن الخطر على الدولة لا يأتي دائمًا في صورة جيش كبير يعبر الحدود.
أحيانًا يبدأ الخطر من مدينة واحدة.
ومن طريق تجاري.
ومن أمير صغير يغير ولاءه.
ومن قوة تركمانية تكبر ببطء.
ولهذا كان المؤيد يتعامل مع شمال الشام والأناضول باعتبارهما جزءًا من أمن الدولة.
وكانت هذه السياسة ستضعه لاحقًا في مواجهة قوى تركمانية أخرى.
عندما عاد الخطر من الشرق
لم تكن المنطقة قد هدأت.
ففي الأناضول والجزيرة كانت قوى تركمانية تتنافس على النفوذ.
ومن بينها دولة قراقويونلو التي أخذ نفوذها في الازدياد.
وفي سنوات المؤيد الأخيرة ظهرت تهديدات جديدة حول طرسوس ومناطقها.
ولم يكن السلطان يستطيع أن يتجاهلها.
لكن المؤيد لم يكن حاضرًا في كل معركة بنفسه.
أحيانًا كان يرسل رجاله وأبناءه.
وكان ابنه إبراهيم أحد الرجال الذين دخلوا في هذا الصراع.
وفي إحدى الحملات تمكنت القوات المملوكية من التقدم في مناطق مهمة من الأناضول، ووصلت إلى قيصرية وقونية وبلاد قرمان.
وهكذا تحولت الدولة المملوكية في عهد المؤيد من دولة مشغولة بتثبيت القاهرة والشام إلى قوة تستعيد حضورها في محيطها الإقليمي.
والبحر أيضًا دخل حسابات السلطان
لم تكن التحديات كلها تأتي من البر.
ففي البحر المتوسط، كانت قبرص مصدر إزعاج دائم للسواحل الشامية والمصرية.
وفي سنة 1413م حاول القبارصة تنفيذ إنزال على ساحل قريب من دمور.
وكان المؤيد يعرف أن أي اضطراب بحري يمكن أن يهدد التجارة والساحل.
فرد بتحرك عسكري دفع ملك قبرص إلى التفاوض.
وهكذا لم يكن المؤيد يقاتل على جبهة واحدة.
كان عليه أن يحافظ على مصر.
وأن يضبط الشام.
وأن يراقب الأناضول.
وأن يحمي طرق التجارة.
وأن يمنع خصوم البحر من تحويل الساحل إلى نقطة ضغط على الدولة.
وهنا بدأ يظهر الفرق بين سلطان يقاتل من أجل البقاء وسلطان يحاول إدارة دولة إقليمية كاملة.
لكن المؤيد لم يكن سلطانًا مثاليًا
والتاريخ لا يصنع قديسين.
المؤيد شيخ لم يكن حاكمًا بلا أخطاء.
فالسياسة المالية المملوكية كانت تقوم على حاجة الجيش والأمراء إلى الموارد.
ومع استمرار الضغط على الدولة، ظهرت سياسات اقتصادية تعتمد على استخراج أكبر قدر ممكن من الموارد، وعلى التحكم في بعض السلع والتجارة.
وهذه السياسات ساعدت السلطنة على تمويل جهازها العسكري، لكنها كانت تحمل ثمنًا اقتصاديًا على المدى الطويل.
وقد أشارت الدراسات الحديثة إلى أن المؤيد شيخ ومن جاء بعده حافظوا على سيادة الدولة وقوتها، لكنهم اتبعوا أيضًا سياسات استخراج واحتكار لبعض السلع المربحة لتلبية احتياجات الطبقة العسكرية، وهي سياسات تركت آثارًا سلبية طويلة المدى على الاقتصاد.
وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول قراءة التاريخ إلى مديح أو ذم.
فالرجل الذي أعاد للدولة قوتها السياسية ساهم أيضًا في ترسيخ آليات مالية سيكون لها ثمن لاحق.
سلطان يريد أن يترك أثرًا لا يزول
ربما كان المؤيد يعرف أن السلطان مهما بلغت قوته يظل عابرًا.
الأمراء يتغيرون.
التحالفات تتغير.
الجيوش تتغير.
والقلاع تسقط.
لكن الحجر قد يبقى.
ولهذا اهتم بالعمران.
بنى المسجد.
وأقام المنشآت.
وأنشأ مرافق مرتبطة بمجمعه.
وأصبح اسمه محفورًا في قلب القاهرة.
وفي هذا الجانب تحديدًا يمكن أن نفهم شخصية المؤيد بطريقة مختلفة.
فهو لم يكن يريد أن يتذكره الناس فقط بوصفه الرجل الذي قتل نوروز أو أعاد السيطرة على الشام.
كان يريد أن يترك دولةً تحمل اسمه وآثار عهده.
وقد بقي مسجد المؤيد بجوار باب زويلة شاهدًا على ذلك العهد حتى اليوم، وقد اكتمل المجمع في عهده في الفترة الممتدة تقريبًا بين 1415 و1421م.
سبع سنوات تغيّر فيها وجه الدولة
جلس المؤيد على العرش من سنة 1412م حتى وفاته سنة 1421م.
وخلال هذه السنوات تغير المشهد الذي ورثه.
عندما جاء إلى السلطنة كانت مصر خارجة من سنوات صراع.
والشام تعيش تحت تأثير أمراء أقوياء.
والاقتصاد يعاني.
والأمراء يعرفون أن السلطان يمكن أن يسقط.
لكن بعد سنوات المؤيد أصبح من الصعب التعامل مع السلطنة بالطريقة نفسها.
فالقاهرة استعادت مركزها.
والشام عادت إلى قدر أكبر من الطاعة.
والدولة تحركت عسكريًا خارج حدودها.
والسلطان ترك خلفه مشروعًا عمرانيًا ضخمًا.
ولهذا تصفه الدراسات الحديثة ضمن السلاطين الذين حافظوا على سيادة الدولة المملوكية في مرحلة صعبة، إلى جانب من جاء بعده من سلاطين المماليك البرجية.
لكنه لم ينتصر على الزمن
في النهاية، لم يكن المؤيد مختلفًا عن كل من جلس على العرش قبله.
المرض لا يفرق بين سلطان وأمير.
والجسد الذي يحمل تاج السلطنة يظل جسدًا بشريًا.
وفي يناير 1421م مات المؤيد شيخ.
لكن موته لم يفتح الباب مباشرة لانهيار الدولة.
لقد كان قد ترك نظامًا أكثر تماسكًا مما وجده.
وهنا تكمن أهميته التاريخية.
فهو لم يبنِ دولة من الصفر.
لكنه أخذ دولة كانت على حافة الفوضى، وأعاد ترتيب مراكز القوة فيها، وأثبت أن السلطان يستطيع مرة أخرى أن يكون أكثر من واجهة للأمراء.
من وراء الستار…
عندما جلس المؤيد شيخ على العرش، لم يكن السؤال:
من هو السلطان؟
فالناس كانوا يعرفون اسمه.
لكن السؤال الحقيقي كان:
هل يستطيع السلطان أن يحكم؟
فرج امتلك لقب السلطان ولم يمتلك دائمًا القدرة على إخضاع مراكز القوة.
والمستعين امتلك الشرعية، لكنه لم يمتلك القوة العسكرية الكافية ليحافظ على عرشه.
أما المؤيد، فقد جمع بين الخبرة العسكرية، ومعرفة شبكة الأمراء، والقدرة على استخدام القوة في اللحظة المناسبة.
ولهذا استطاع أن يفعل ما عجز عنه فرج:
أن يجعل سقوط أمير في دمشق جزءًا من إعادة بناء الدولة، لا مجرد انتصار في معركة.
لكن التاريخ لا يمنح الدول راحة طويلة.
فحين انتهى عهد المؤيد شيخ، لم تعد المشكلة كما كانت أيام فرج.
لقد أصبحت السلطنة أكثر استقرارًا…
لكنها أصبحت أيضًا أكثر اعتمادًا على المال، وعلى التجارة، وعلى سيطرة الدولة على الموارد.
وهنا سيأتي رجل آخر، مختلف في شخصيته وطريقته في الحكم، وسيكتشف أن الطريق إلى قوة الدولة يمكن أن يمر عبر شيء آخر:
التجارة.
ليس السيف وحده.
ولا الأمير وحده.
بل السوق نفسها.
ومن هنا ننتقل إلى فصل جديد من تاريخ المماليك:
حين أصبح السلطان تاجرًا كبيرًا في سوقٍ كانت الدولة كلها تعتمد عليه.
في المقال القادم:
حين أمسك برسباي بخيوط التجارة
السلطان الذي عرف أن خزائن الدولة يمكن أن تُملأ بالحرير والتوابل كما تُملأ بالغنائم








