مقالاتمنوعات

مجتمع يطالب بالعدل ثم يبحث عن استثناء لنفسه.. بقلم/ إسراء إمام

مجتمع يطالب بالعدل ثم يبحث عن استثناء لنفسه

 

بقلم إسراء إمام

ليست المشكلة دائمًا في غياب القانون، ولا في ندرة من يعرفون الصواب، وإنما في تلك المسافة بين ما نؤمن به حين نتحدث عن المبادئ، وما نقبله لأنفسنا حين تتعارض هذه المبادئ مع مصالحنا. ففي الوقت الذي يطالب فيه كثيرون بالعدل، ويستنكرون الفساد، ويرفضون المحسوبية، قد نجد بعضهم يبحث عن استثناء خاص حين يصبح الالتزام بالقواعد عبئًا عليه، أو حين تقف المصلحة الشخصية في مواجهة ما يعلنه من قيم ومواقف.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في حياتنا العامة؛ فالمجتمع لا يعاني فقط من وجود المخالفات والتجاوزات، بل يعاني أحيانًا من تبريرها والتعايش معها، ومن البحث عن أسباب تجعلها مقبولة حين تصدر عن أشخاص نحبهم، أو حين تحقق لنا منفعة مباشرة. يصبح الخطأ جريمة حين يرتكبه الآخرون، ووجهة نظر حين نرتكبه نحن، وتتحول المبادئ من قواعد تحكم السلوك إلى شعارات نرفعها عندما تخدم مواقفنا، ونتجاوزها حين تتعارض مع رغباتنا.

نطالب بالعدل حين تضيع حقوقنا، لكننا قد نتردد في المطالبة به حين يكون تطبيقه على حساب شخص قريب منا. نرفض الواسطة حين تُغلق أمامنا الأبواب، ثم نبحث عنها عندما نحتاج إلى فرصة لا نريد انتظار دورنا فيها. ونستنكر استغلال النفوذ، لكننا قد نراه أمرًا عاديًا إذا منحنا ميزة لم نكن لنحصل عليها بالطرق المعتادة. وفي كل مرة نجد لأنفسنا مبررًا يبدو مقنعًا من الداخل، حتى إن كنا سنرفضه تمامًا لو صدر عن غيرنا.

ولعل أخطر ما في هذه المفارقة أنها لا تبدأ دائمًا بفساد كبير أو مخالفة صارخة، بل قد تبدأ بتنازل صغير يظنه صاحبه بلا أهمية؛ تجاوز بسيط لأن الجميع يفعل ذلك، أو مجاملة على حساب الحق، أو تفضيل شخص على آخر بحجة القرابة والمعرفة. ثم تتراكم هذه الاستثناءات حتى تتحول إلى سلوك مألوف، ويصبح الالتزام بالقواعد أمرًا يثير الاستغراب بدلًا من أن يكون هو الأصل.

ومن هنا تكتسب عبارة كل الناس بتعمل كدا خطورتها لأنها لا تكتفي بتبرير الخطأ، بل تمنحه غطاءً اجتماعيًا، وكأن انتشار السلوك الخاطئ يبدل طبيعته أو يعفي صاحبه من مسؤوليته. غير أن شيوع التجاوز لا يحوله إلى حق، وتكرار المخالفة لا يجعلها صوابًا، كما أن اعتياد المجتمع على أمر ما لا يعني بالضرورة أنه سليم. فقد تستمر بعض الممارسات سنوات طويلة، لا لأنها عادلة، بل لأن أصحاب المصلحة يجدون في بقائها منفعة، أو لأن كثرة تكرارها تجعل الاعتراض عليها أكثر صعوبة.

ولا يمكن فصل هذه الازدواجية عن الطريقة التي ننظر بها إلى القانون.

فالقانون ليس مجرد نصوص مكتوبة أو عقوبات تُفرض على المخالفين، وإنما هو ضمانة تقوم على أن الحقوق لا تتحدد وفق أسماء أصحابها، وأن القاعدة التي تنطبق على شخص ينبغي أن تنطبق على غيره في الظروف نفسها. وحين يطالب المواطن بتطبيق القانون على الآخرين، ثم يرفض تطبيقه عليه، فإنه يضعف احترام القانون، ويشارك في ترسيخ فكرة خطيرة مفادها أن الالتزام به اختيار شخصي، لا مسؤولية مشتركة.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نختزل الفساد في تصرفات الأفراد وحدهم، أو نتجاهل مسؤولية المؤسسات التي تسمح بالتجاوزات أو تتركها بلا محاسبة.

فحين تغيب الشفافية، وتضعف الرقابة، وتتفاوت فرص الوصول إلى الحقوق، ويشعر الإنسان بأن الاجتهاد وحده لا يكفي، تنمو بيئة تشجع على البحث عن الطرق المختصرة. وحين يرى الناس أن بعض المخالفين يفلتون من المساءلة بسبب نفوذهم أو علاقاتهم، تتراجع ثقتهم في عدالة المنظومة، وقد يبدأ بعضهم في تقليد ما كان يرفضه، بحجة أنه لا يستطيع مواجهة الواقع وحده.

غير أن تفسير أسباب السلوك لا يعني تبريره، كما أن نقد المؤسسات لا يعفينا من مراجعة أنفسنا.

فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مسارين متوازيين مؤسسات تطبق القواعد بشفافية وتحاسب المخالفين دون تمييز، وأفراد يرفضون تحويل الظروف الصعبة إلى مبرر دائم للتجاوز. لا يمكن مطالبة المواطن بالنزاهة في بيئة تكافئ المخالفة، ولا يمكن بناء مؤسسات عادلة إذا ظل أفراد المجتمع يبحثون عن منفعة خاصة كلما سنحت لهم الفرصة. فالمسؤولية مشتركة، وإن اختلفت درجاتها وأشكالها.

وتظهر ازدواجية المعايير بوضوح في أحكامنا على الآخرين.

قد نمنح شخصًا فرصة للخطأ لأننا نعرف ظروفه، ونرفض منح الفرصة نفسها لشخص لا نعرفه. وقد نطالب بالتحقق من الوقائع عندما توجه إلينا اتهامات، ثم نسارع إلى إصدار الأحكام حين يتعلق الأمر بخصومنا.

نتمسك بحق الرد حين نمسّ، وننسى هذا الحق حين نكون في موقع القوة.

وهكذا لا يعود المعيار هو الحقيقة أو العدالة، بل موقع الشخص من دائرتنا الخاصة هل هو قريب أم بعيد؟ حليف أم خصم؟ صاحب مصلحة معنا أم شخص لا تربطنا به علاقة؟

إن أخطر ما تفعله هذه الطريقة في التفكير هو أن تجعل الحق تابعًا للمشاعر والمصالح، لا للوقائع والمبادئ. فالعدل الحقيقي لا يطلب منا أن نتخلى عن مشاعرنا تجاه من نحب، وإنما يطلب ألا نسمح لهذه المشاعر بأن تمنحهم حقوقًا لا يستحقونها، أو تسلب الآخرين حقوقًا يستحقونها. والإنصاف لا يعني أن نساوي بين المختلفين في كل شيء، بل أن نحتكم إلى معيار واضح وعادل، وألا نغيره لمجرد أن النتيجة لا توافق رغباتنا.

كما أن الصمت عن التجاوزات ليس دائمًا موقفًا محايدًا. فقد يصمت الإنسان خوفًا من خسارة عمله، أو حفاظًا على علاقة، أو تجنبًا لمشكلة لا يملك القدرة على مواجهتها، وهي اعتبارات لا يجوز الاستهانة بها. لكن هناك فرقًا بين العجز عن المواجهة في موقف محدد، وبين تحويل الصمت إلى قبول دائم، أو المشاركة في تبرير الخطأ، أو مهاجمة كل من يحاول كشفه. فالمجتمع الذي يعاقب من يتحدث عن الخلل أكثر مما يحاسب من يصنعه، يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الحفاظ على المظهر أهم من إصلاح الواقع.

ولا يعني ذلك أن يتحول كل خلاف إلى اتهام بالفساد، أو أن يصبح كل شخص قاضيًا على الآخرين. فالمحاسبة العادلة تحتاج إلى أدلة، والاتهام مسؤولية، والنقد ينبغي أن يميز بين الخطأ المتعمد والظروف التي تستحق الفهم، وبين الاختلاف المشروع والتجاوز الذي يضر بحقوق الناس. فالعدل لا يتحقق بالتشهير، كما لا يتحقق بالتستر؛ إنما يتحقق بإجراءات واضحة، وتحقيق منصف، وحق متكافئ في الدفاع، ومحاسبة لا تتأثر بمكانة صاحب المخالفة أو نفوذه.

ومن الضروري أيضًا أن نعيد النظر في الطريقة التي نربي بها أبناءنا على فهم الحق والواجب. فلا يكفي أن نطالب الطفل بالصدق ثم نطلب منه الكذب لينقذنا من موقف محرج، أو نعلمه احترام النظام ثم نفاخر أمامه بقدرتنا على تجاوزه، أو نحدثه عن الأمانة بينما نبرر الاستيلاء على حق صغير لا يراه أحد. فالأبناء لا يتعلمون القيم من النصائح وحدها، بل مما يشاهدونه في تفاصيل الحياة اليومية؛ من طريقة تعاملنا مع الآخرين، واحترامنا للطابور، والتزامنا بكلمتنا، واعترافنا بالخطأ حين نرتكبه.

إن التربية على المسؤولية تبدأ عندما يرى الطفل أن القاعدة لا تتغير بتغير الشخص، وأن الاعتذار ليس ضعفًا، وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يكشف قدرته على مراجعة نفسه.

وحين يتعلم أن الحصول على منفعة لا يجعل الوسيلة عادلة، وأن خسارة فرصة أفضل من انتزاع حق شخص آخر، يصبح أكثر استعدادًا لاحترام القانون والحقوق عندما يكبر. أما إذا تربى على أن الذكاء هو القدرة على الإفلات من المحاسبة، فسوف يجد صعوبة في فهم الفرق بين النجاح المشروع والمكسب الذي يتحقق على حساب الآخرين.

ولعل السؤال الأهم ليس لماذا ينتشر الفساد؟ بل لماذا نقاومه عندما يصيبنا، ونتسامح معه عندما يخدمنا؟ ولماذا نغضب من المحسوبية حين تحرمنا فرصة، ثم نراها مقبولة حين تمنحها لمن نحب؟ إن مواجهة هذه الأسئلة تتطلب قدرًا من الصراحة؛ فمن السهل أن نضع المسؤولية كلها على عاتق الآخرين، وأن نتحدث عن فساد المجتمع وكأننا نقف خارجه، بينما تتشكل الحياة العامة من آلاف القرارات الفردية التي تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تترك أثرًا يتجاوز أصحابها.

ولا يبدأ التغيير الحقيقي بانتظار مجتمع مثالي نعيش فيه، بل بمراجعة السلوك الذي نشارك به في صناعة المجتمع القائم. أن نرفض الواسطة حتى عندما تكون في صالحنا، وأن نحترم الدور حتى عندما نستطيع تجاوزه، وأن نطالب بالمحاسبة دون انتقائية، وأن نمنح الآخرين الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا. فالنزاهة لا تُختبر حين يكون الالتزام سهلًا ولا يكلفنا شيئًا، بل حين تتعارض المبادئ مع مصلحة مباشرة، وحين نستطيع ارتكاب الخطأ دون أن يرانا أحد.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل الأفراد وحدهم عبء الإصلاح، أو نكتفي بدعوات أخلاقية لا تسندها إجراءات واقعية. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تتيح تكافؤ الفرص، وقواعد معلنة لا تتغير وفق الأشخاص، وقنوات آمنة للإبلاغ عن المخالفات، وإعلام مسؤول يكشف الخلل دون أن يستبدل الحقيقة بالشائعات.

ويحتاج كذلك إلى ثقافة عامة ترى في النزاهة قيمة تستحق التقدير، لا سذاجة تستحق السخرية. وحين تصبح المحاسبة عادلة ومتوقعة، تضيق مساحة الاستثناءات، ويصبح احترام القانون أساسًا للثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين الإنسان والإنسان.

إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يعلنه من شعارات، ولا بما يكتبه في القوانين، بل بما يسمح بحدوثه في الواقع، وبالطريقة التي يتعامل بها مع المخالفات حين تقع.

والعدل لا يحتاج إلى خطابات طويلة بقدر ما يحتاج إلى مواقف ثابتة تبدأ من أصغر التفاصيل وتمتد إلى أكبر المسؤوليات. فليس من العدل أن نطالب بحقوقنا كاملة ثم ننتقص حقوق غيرنا، وليس من النزاهة أن ندين الفساد في العلن ثم نبحث عن منفعة منه في الخفاء.

ربما يكون أول طريق الإصلاح أن يتوقف كل واحد منا أمام نفسه، لا أمام أخطاء الآخرين وحدها، وأن يسأل: هل أقبل المعيار نفسه إذا طُبق عليّ؟ وهل أرفض التجاوز لأنه خطأ، أم لأنني لم أكن المستفيد منه؟ وهل أدافع عن الحق لأنه حق، أم لأنه يوافق مصلحتي؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تكشف الفارق بين من يتخذ المبادئ زينة للكلام، ومن يجعلها ميزانًا لسلوكه.

فالعدل ليس أن أحصل على حقي وحدي، بل أن أقبل أن يكون لغيري الحق نفسه، حتى حين أستطيع تجاوزه. والنزاهة ليست أن أرفض الاستثناء حين لا أملكه، بل أن أرفضه حين يكون متاحًا لي. وحين نتوقف عن البحث عن طريق خاص لأنفسنا، ونكف عن اختراع المبررات التي تجعل أخطاءنا مقبولة وأخطاء الآخرين مدانة، ربما نكون قد بدأنا أخيرًا في بناء مجتمع لا يحتاج فيه الإنسان إلى واسطة كي يثق بأن حقه لن يضيع، ولا يخشى فيه صاحب الحق أن يصبح القانون خصمًا له بدلًا من أن يكون ضمانته. عندها فقط لن يكون العدل شعارًا نرفعه عند الحاجة، بل سلوكًا نمارسه حتى عندما لا يراقبنا أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى