يحمل عنوان «العودة للقرآن تحفظ الأوطان» دعوة إلى تأمل العلاقة بين هداية الإنسان وسلامة المجتمع الذي يعيش فيه. فحماية الوطن تبدأ من إدراك قيمة الحياة المشتركة، ومن التزام كل فرد بما يصون حقوق الآخرين وأمنهم وكرامتهم. ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي يفتحه المقال: كيف تتحول العودة للقرآن إلى سلوك يحفظ الوطن؟
يبني الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي مقاله على ثلاثة توجيهات قرآنية: الاعتصام بحبل الله، والتعاون على البر والتقوى، واجتناب التنازع المؤدي إلى الفشل. ويربط بينها وبين تحصين المجتمع من الفرقة والفتن وضياع الأوطان. وهذه التوجيهات، عند تأمل الصلة بينها، ترسم مسارًا يبدأ بالمرجعية الجامعة، ثم ينتقل إلى العمل المشترك، ويحذر مما يهدم ثمرتهما.
فالاعتصام بحبل الله يقتضي أن يكون للناس ميزان يرجعون إليه عند تعارض المصالح واحتدام الخصومات. وفي ضوء المقاصد العليا للقرآن، يتجسد هذا الميزان في الرحمة والعدل والسلام وصيانة الكرامة الإنسانية. فالمرجعية تظهر قيمتها حين تضبط تصرفات الإنسان، وتلزمه بإنصاف غيره، حتى عندما يخالفه أو يخاصمه.
وهنا تتضح مسؤولية العودة للقرآن؛ فالذي يطلب العدل لنفسه مطالب بإقامته لغيره، والذي يرفض الاعتداء على حقوقه مطالب باحترام حقوق الآخرين. وبهذا يتأسس الشعور بأن الوطن حق مشترك، وأن سلامة كل إنسان فيه جزء من سلامة المجتمع كله.
ثم يأتي التعاون على البر والتقوى ليمنح هذه المرجعية أثرها العملي. فالاتفاق على القيم يثمر حين يتحول إلى أداء للأمانة، وإتقان للعمل، ورعاية للضعيف، وحماية للمال العام، ومشاركة في معالجة مشكلات المجتمع. وكل موقع من مواقع المسؤولية يحمل نصيبًا من هذا الواجب؛ في الأسرة والمدرسة والعمل ومؤسسات الدولة.
والتعاون يحتاج إلى معيار يضبط غايته؛ فالاجتماع على منفعة خاصة تضر بالناس يناقض البر، والتستر على الفساد يهدر الأمانة، ومساندة المعتدي تمنحه قوة على مواصلة عدوانه. لذلك يصبح وعي الإنسان بما يشارك فيه ضرورة؛ إذ يُسأل عن أثر فعله، وعن الحقوق التي يحفظها أو يبددها.
أما التحذير من التنازع، فيدعونا إلى تأمل اللحظة التي تتحول فيها الخصومة إلى استنزاف لقوة المجتمع. حين ينشغل الناس بإسقاط بعضهم بعضًا، تتراجع قدرتهم على معالجة أزماتهم، وتُستهلك طاقاتهم في صراعات تتسع خسائرها لتشمل الجميع.
وحفظ المجتمع من هذا المصير يستلزم مساحة للحوار والنقد والتصحيح. فإظهار الخطأ ومعالجته بالعدل يعززان الثقة، والاستماع إلى الشكوى يفتح طريق الإصلاح، واحترام تنوع الآراء يتيح مشاركة أوسع في البحث عن الحلول. وتتماسك الوحدة الوطنية حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وحقه مصون، ومسؤوليته واضحة.
ومن هذا المنطلق، فإن مقاومة الفتن والشائعات تبدأ ببناء وعي يتحرى صدق الخبر، ويدرك عواقب نشره، ويميز بين النقد الذي يطلب الإصلاح والتحريض الذي يستبيح الناس. وتدعم هذا الوعي شفافية المعلومات، ووضوح القرارات، وعدالة الممارسة؛ فالثقة تنمو حين يجد الإنسان صدقًا يطمئن إليه وعدلًا يلمسه في حياته.
وتقتضي القراءة المتأنية أيضًا أن نفهم حفظ الأوطان بوصفه عملًا مستمرًا له أسبابه ومسؤولياته. فالالتزام بالقيم القرآنية يوجه التعليم والعمل والإدارة والتخطيط نحو خدمة الإنسان. وترجمة هذه القيم تحتاج إلى معرفة وكفاءة ومؤسسات تؤدي واجباتها؛ فالعدل يتطلب إجراءات تنصف، والأمانة تتطلب أداءً يحفظ الحقوق، والتعاون يتطلب تنظيمًا يجمع الجهود ويُحسن توجيهها.
ويكتسب هذا الفهم عمقه من إدراك أن الوطن يضم مواطنين تتنوع معتقداتهم وأفكارهم وتجاربهم، وتجمعهم حقوق وواجبات ومصالح مشتركة. واستجابة المسلم لهداية القرآن تظهر في عدله ورحمته وحسن تعامله مع الجميع. وبذلك تصبح القيم التي يؤمن بها إسهامًا في أمن وطنه، وفي بناء الثقة بين أبنائه.
وفي هذا الإطار، يتحدد دور مؤسسة رسالة السلام العالمية في ترسيخ الوعي بالمقاصد العليا للقرآن، وربط الرحمة والعدل والسلام والحرية والتعاون بسلوك الإنسان ومسؤوليته الاجتماعية. ويتسع أثر هذه الرسالة حين تقدم للناس أمثلة واضحة من حياتهم: كيف ينصفون، وكيف يتحاورون، وكيف يحمون حقوق بعضهم، وكيف يشاركون في البناء.
إن القيمة التي يفتحها مقال الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي للتأمل هي أن حفظ الوطن مسؤولية أخلاقية وعملية متصلة. وكلما تحولت الهداية إلى عدل في القرار، ورحمة في المعاملة، وصدق في القول، وإتقان في العمل، ازدادت أسباب الثقة والتماسك، وأصبح المجتمع أقدر على حماية حاضره وصناعة مستقبله.
كاتب المقال : عضو الأمانة العامة لمؤسسة رسالة السلام العالمية