أدب وثقافة

المفتاح الذي لا يصدأ: من ذاكرة الجدّات إلى مسؤولية المثقّف. غدير حميدان الزبون

“المفتاح الذي لا يصدأ: من ذاكرة الجدّات إلى مسؤولية المثقّف”

بقلم. غدير حميدان الزبون
تنهضُ جدّتي فاطمة من عمق الذاكرة متبخترة بشالها الأبيض الموشّى بعروق حرير وردّية، لا زلت أرسمها في مخيلتي وهي خارجةٌ من زمنٍ لا يشيخ، تسير مزهوّةً، ولا زالت تحملُ في ملامحها سكينةَ الأرضِ الأولى، وتُمسكُ بطرف الحكاية كإمساكِ الفجرِ بخيط الضوء.
تجلسُ على عتبة المساء، وثوبُها المطرّزُ يلمعُ بخيوطٍ تحكي أكثر مما تقول، فكلّ غرزةٍ فيه تُخفي اسمَ قريةٍ، أو أثرَ دربٍ، أو حنينَ نافذةٍ تُطلّ على ما تبقّى من الحلم.
وعندما ترفعُ يدها لتعدّلَ مفتاحَ البيت المعلّق في عنقها يرنّ في الفضاء صوتٌ خفيّ، هو صوتُ بابٍ قديمٍ ما زال ينتظرُ عودةَ أصحابه، وتفيضُ من عينيها حكايةُ المالحة، تلك القرية التي سكنتْها وسكنتها، فصارتْ جزءًا من نبضها الذي لا يخفت.
تنسابُ كلماتُها كجدولٍ صغير، تصدح بصوتها الرنّان، وهي تروي عن بيوتٍ من حجرٍ دافئ، وعن ساحاتٍ كانت تتّسعُ للضحكات، وعن حقولٍ تعرفُ أسماءَ أصحابها كما تعرفُ وجوهَ السنابل.
كانت تستدعي بذاكرتها طاحونةَ القمح، وهي تدورُ كما لو أنّها قلبُ القرية، تطحنُ السنابلَ وتطحنُ معها تعبَ الأيام، فيفوحُ الطحينُ رائحةَ خبزٍ يليقُ بالكرامة. وبجوارها يقفُ الهاونُ شاهدًا على تفاصيل الحياة اليومية، يعلو صوته ويهبط بإيقاعٍ مألوف، فيمتزجُ مع أصواتِ النساء وهنّ ينسجنَ الزمنَ من عملٍ وصبر.
وتلتفُّ حولها مقتنياتٌ صغيرة، غير أنّها في عينيها توازي وطنًا كاملًا من أطباق القشّ التي احتفظتْ بشكلها رغم تبدّل الأمكنة، فهي تُصرُّ على البقاء، وتحفظُ في انحناءاتها آثارَ أيادٍ صنعتها بحبّ.
وكلّما لامستها جدّتي عادتْ إليها أصواتُ الأغاني، وأهازيجُ الأفراح التي كانت تعلو في مواسم الحصاد، وزغاريدُ النساء التي تُشبه ارتعاشَ الضوء فوق الحقول.
تتردّدُ تلك الألحانُ في صوتها، فتُغنّي لتستحضرَ ما بقي حيًّا في الذاكرة.
ومن بين كلّ ما تحمله يظلّ المفتاحُ أكثرَ الأشياء سطوعًا، هو وعدٌ معلّق، وعهدٌ لا يسقط بالتقادم.
تنظرُ إليه فتُخاطبُ بابًا بعيدًا، وتهمسُ بحكايةٍ تعرفُ أنّها ستُورَّث كما وُرِّثت. وهكذا تتحوّل جدّتي بثوبها المطرّز، ومقتنياتها الصغيرة إلى سرديةٍ حيّة تحملُ المالحة في تفاصيلها، وتُعيدُ رسمها بالكلمات، فتغدو القريةُ حضورًا دائمًا يسكنُ الحكاية كما يسكنُ القلب.
ولا زالت إلى يومنا هذا تنسابُ الحكاياتُ والوصايا من أفواهِ الأجدادِ كما ينسابُ الضوءُ من فجواتِ الذاكرة، فتُضيءُ دروبَ المعنى وتوقظُ في الروحِ نشيدَ الانتماءِ، وتُعيدُ ترتيبَ الأزمنةِ في لحنٍ واحدٍ تتجاورُ فيه البداياتُ والامتدادات.
وتتعالقُ الأزمنةُ في نسيجٍ محكم، وتتشابكُ خطى الأسلافِ مع نبضِ الحاضر، فتغدو الأرضُ شاهدًا حيًّا، وتغدو الحكايةُ مرآةً تعكسُ ملامحَ الوجوهِ الأولى وهي تزرعُ وتبني وتغنّي. وتتمايلُ صورُ البيوتِ العتيقةِ، وسقوفُ القرميد، وأقواسُ الحجارة، وحقولُ القمحِ والزيتون في مرايا الوجدان، فتُنشئُ لغةً من الحنينِ والمعرفة، وتُعلّمُ القلبَ كيف يقرأُ المكانَ ككتاب مفتوح تتوزّعُ فصولُه بين دربٍ قديمٍ وعتبةِ دار، ونافذةٍ تُطلُّ على حكايةٍ لم تكتمل.
وتتردّدُ في الأزقةِ أصداءُ الأغاني الشعبية، وتتوشّحُ الذاكرةُ بأهازيجِ المواسم، فتنبعثُ من التفاصيلِ الصغيرةِ، من فنجانِ قهوةٍ على موقدٍ طيني، ومن ثوبٍ مطرّزٍ بحكايةِ قرية في معانٍ كبيرة تشدُّ الروحَ إلى جذورها.
وتترابطُ الأشياءُ في خيوط نسيجٍ واحد، فذلك حجرٌ يروي، وتلك شجرةٌ تحفظ، وهذه يدٌ تمتدُّ لتسلّمَ الأمانةَ من جيلٍ إلى جيل.
وتنبثقُ من هذا التراكمِ ملامحُ هويةٍ راسخة، تتوارثها القلوبُ التي تتوارثُ الأسماء، فتغدو الذاكرةُ وطنًا يسكنُ في الإنسان، ويحمله أينما مضى.
وتتجلّى في هذا الامتدادِ حكمةُ الأجدادِ إذْ تُصاغُ القيمُ في أمثالٍ موجزة، وتُختزلُ التجاربُ في حكاياتٍ تُروى على ضوء السمر، فيتشكّلُ وعيٌ جمعيّ يُحسنُ الإصغاءَ للماضي، ويُحسنُ الإصدارَ نحو المستقبل.
وتتعزّزُ في هذا السياقِ صلةُ الإنسانِ بمكانه، حتى تخال لك الزيارة لقاءً، والمعرفة معايشةً، والانتماء فعلًا يوميًّا يتجدّدُ في السلوكِ واللغةِ والذائقة. وهكذا يتوهّجُ التراثُ مثل كائن حيّ، يتنفسُ في تفاصيلِ الحياة، ويمنحُها معناها، ويستدعي من المثقّف أنْ يُحسنَ الإصغاءَ إليه، ويُعيدَ صياغتَه بوعيٍ وجمال، ليبقى شاهدًا وهادياً، وذاكرةً لا تنطفئ
وينبثق التراث من تفاعل الإنسان مع المكان عبر الزمن، فيصوغ ملامح الهوية ويمنح الوجود معناه المتجدد.
ويحمل هذا التراث بشقّيه المادي واللامادي أسرار الشخصية الوطنية، ويؤسّس لصلاتٍ حيّة بين الماضي والحاضر، ويمدّ جسورًا نحو المستقبل. وفي هذا السياق ينهض المثقّف بدورٍ محوريّ، إذ يسهم في تحويل التراث من مادةٍ خام إلى وعيٍ متجذّر، ومن ذاكرةٍ ساكنة إلى طاقةٍ فاعلة في تشكيل الأجيال.
ويتقدّم مفهوم التربية السياحية على أنّه أداة فعّالة لإعادة وصل الإنسان ببيئته الثقافية، وهذه التربية تعمل بدورها على ترسيخ علاقةٍ واعية مع المواقع الأثرية، وتدفع نحو قراءتها قراءةً نقدية تتجاوز المشاهدة السطحية.
ومن خلال هذا المنظور يوجّه المثقّف اهتمام المجتمع نحو الداخل، فيستنهض تقديرًا أعمق للمكان، ويعيد الاعتبار لما يحمله من دلالاتٍ تاريخية وإنسانية.
كما يعزّز هذا التوجّه وعيًا جمعيًّا يجعل من زيارة الموقع الثقافي تجربة معرفةٍ وتفاعل تتداخل فيها الحكاية مع الجغرافيا، والصورة مع المعنى.
ومن جهةٍ أخرى تتكشّف أهمية التراث في سياقات الصراع، لأنّها تستهدف قوى الهيمنة للذاكرة الجمعية عبر طمس المعالم وتغيير الأسماء وسرقة الرموز الثقافية.
وفي الحالة الفلسطينية تتجلى هذه المحاولات في السعي لإعادة صياغة المكان وسلبه دلالاته الأصلية، غير أنّ الذاكرة الحيّة تستمرّ في المقاومة عبر الأغنية الشعبية، والدبكة، والحكايات المتوارثة، فتغدو هذه العناصر اللامادية حوامل للهوية ووسائل لحمايتها من الاندثار.
ويرتبط الأدب وخاصة الرواية ارتباطًا وثيقًا بهذا الدور، إذ يسهم في حفظ التفاصيل اليومية والملامح الإنسانية التي تعجز الوثائق الرسمية عن احتوائها. فتعيد النصوص السردية بناء القرى، وتستحضر أسماء الأمكنة، وتنقل تجارب الناس بلغةٍ مشحونة بالإحساس والمعنى.
ومن خلال هذا الحضور يتحوّل الأدب إلى أرشيفٍ موازٍ يوثّق الذاكرة ويصونها، ويمنح القارئ قدرةً على رؤية المكان بعيونٍ أكثر عمقًا واتساعًا.
وفي الإطار التربوي تبرز الحاجة إلى إدماج التراث والتربية السياحية ضمن المناهج التعليمية عبر مقارباتٍ تفاعلية تجمع بين المعرفة النظرية والتجربة الميدانية.
كما تسهم الزيارات الميدانية، ومشاريع التوثيق الشفوي، والأنشطة الإبداعية في ترسيخ الارتباط بالتراث، وتعزّز إحساس الطلبة بمسؤوليتهم تجاهه.
وتفتح هذه المقاربة آفاقًا لدمج مجالاتٍ معرفية متعددة، من التاريخ إلى الأدب والفنون في بناء رؤيةٍ شاملة للتراث.
وفي سياق متصل تتطلب حماية التراث تفعيل سياساتٍ ثقافية تدعم الحرف التقليدية، وتعزّز التوثيق العلمي، وتواكب التحولات الرقمية عبر إنشاء أرشيفاتٍ مفتوحة تسهم في نشر المعرفة.
ويشكّل تشجيع السياحة الداخلية رافدًا مهمًا، إذْ يخلق علاقةً مباشرة بين المجتمع وتراثه، ويحوّل هذا التراث إلى موردٍ ثقافي واقتصادي يدعم استمراريته.
وتتجذّر علاقة المثقّف بالتراث في التجربة الشخصية، لتنبع الكتابة من تماسّ حيّ مع المكان، ومن انفعالٍ صادق بتفاصيله، فتتحوّل هذه التجربة إلى خطابٍ قادر على نقل الحسّ الجمالي والمعرفي إلى الآخرين، وتفتح المجال أمام إعادة اكتشاف التراث هذا الفضاء الحيّ النابض بالحياة.
وتتكامل مسؤولية المثقّف بين الوعي والإبداع والعمل الميداني، فتسهم في بناء مجتمعٍ يدرك قيمة تراثه، ويستثمره في صياغة مستقبله.
وتتحول التربية السياحية في ظل هذا الوعي إلى مسارٍ تربوي وثقافي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومكانه، ويعزّز حضور الهوية في مواجهة التحديات.
وتستمرُّ الحكايةُ بعد أنْ أسدلتْ جدّتي فاطمة ستارَ حضورها، فتنتقلُ الأمانةُ كانتقال الضوءُ من مصباحٍ إلى آخر، وتحملُها أمّي الفاطمة الأخرى بقلبٍ يعرفُ ثِقَل المعنى قبل ثِقَل الأشياء. فتضمُّ المقتنياتِ إلى صدرها، وتعيدُ ترتيبها كما تُرتَّبُ الذاكرةُ في لحظاتِ الفقد، وهي تُنصتُ لطاحونةِ القمحِ في صمتها، وتستدعي من الهاونِ إيقاعَ الأيام، وتلمسُ أطباقَ القشّ كأنّها تُصافحُ أيادٍ غابتْ وبقيَ أثرُها.
وتغدو الأغاني التي كانت تتردّدُ في مواسم الفرح همسًا خافتًا في أرجاء البيت، غير أنّه همسٌ يواصلُ الحياةَ فينا، ويُعلّمنا كيف نحفظُ ما لا يُرى.
وعندما تمضي أمّي بدورها تُسلّمني المفتاحَ خريطةً للقلب، وتوصيني به خيرًا، فتغدو الوصيةُ عهدًا لا يُؤجَّل، ونداءً لا يخفت.
أقبضُ عليه فأشعرُ ببرودةِ المعدنِ ودفءِ الحكاية في آنٍ واحد، وأدركُ أنّ ما بين أصابعي ذاكرة بيتٍ كامل بأسماء أهله، وصدى خطواتهم على العتبات.
ولا زلت أخفي المفتاحَ في صندوقٍ صغيرٍ في خزانتي، غير أنّه لا يختبئُ عن قلبي، إذْ يظلُّ حاضرًا في يقظتي، يلمعُ كلّما مرّتْ بي صورةُ المالحة، وكلّما ناداني صوتُ جدّتي من بعيد.
ولا أخفيكم فأنا أفتحُ الصندوقَ بين حينٍ وآخر، لأتأكّد من بقائي على العهد، فأراه يزدادُ إشراقًا، لأنّه يستمدُّ نوره من إصرارنا على الحفظ والرواية.
وهكذا تتواصلُ السلسلةُ من جدّةٍ إلى أمٍّ إلى ابنة، وتتحوّلُ المقتنياتُ الصغيرة إلى شواهدَ كبرى تُذكّرني بأنّ التراثَ لا يُورَّثُ بالأشياء وحدها، إنما يُصانُ بالفعلِ والوعيِ والكتابة.
ومن هذا المفتاح تنفتحُ أبوابُ المعنى على باب الذاكرة، وباب الهوية، وباب العودة التي تبدأ بالحكاية، فأحملُه دعوة حيّة لأنْ أكتب، وأنْ أُعرّف، وأنْ أُربّي في الأجيالِ عشقَ المكان حتى يظلَّ البابُ مفتوحًا فينا، وإنْ طال الغياب.

زر الذهاب إلى الأعلى