علاء حمدي
انطلقت فعاليات الملتقى الثالث عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، تحت رعاية مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية برئاسة اللواء الدكتور محمد الكشكي، وإشراف الدكتور أشرف عبد العزيز الأمين العام للاتحاد، والدكتورة أمال إبراهيم رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية.
وخلال الملتقي أكدت الأستاذة الدكتورة سهير عبد السلام، عميدة كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة بدر بالقاهرة، أن حماية الأسرة المصرية تبدأ من بناء الوعي النفسي والاجتماعي، والقدرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، مشيرة إلى أن الأسرة تظل الخلية الأولى في بناء المجتمع، ومنها يبدأ تشكيل شخصية الإنسان وقيمه واتجاهاته وقدرته على التعامل مع الآخرين.
وأوضحت د. سهير عبد السلام أن الحفاظ على الأسرة ودعم استقرارها النفسي والاجتماعي ليس مسؤولية الأسرة وحدها، وإنما مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب تكامل جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والمجتمع المدني.
ونبّهت عميدة كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية إلى أن الأسرة المصرية تواجه اليوم تحديات متشابكة، لم تعد مرتبطة بالظروف الاقتصادية وحدها، وإنما أصبحت أكثر تعقيدًا نتيجة للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية والنفسية التي طرأت على حياتنا.
وأشارت إلى أن من أخطر هذه التحديات التسويق الإلكتروني للمخدرات، الذي أصبح يستغل الفضاء الرقمي للوصول إلى الشباب والمراهقين بصورة أكثر سهولة وخطورة، وهو ما يستدعي وعيًا أسريًا ومجتمعيًا أكبر، ورقابة أكثر فاعلية، إلى جانب العمل على بناء شخصية الأبناء وقدرتهم على الرفض واتخاذ القرار.
وتابعت د. سهير عبد السلام أن التحولات الاجتماعية أثرت كذلك في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وشهد المجتمع المصري ارتفاعًا في معدلات الطلاق، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى زيادة تقدر بنحو 35%، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة عدم اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده، إذ إن الطلاق ظاهرة متعددة الأسباب تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية وطبيعة التواصل بين أفراد الأسرة.
وشددت على أن التعامل مع قضايا الأسرة لا يجب أن يكون من خلال التعامل مع النتائج فقط، وإنما من خلال البحث عن الأسباب والجذور، والتدخل المبكر قبل تفاقم المشكلات وتحولها إلى أزمات يصعب احتواؤها.
كما حذرت من تجاهل الآثار النفسية للحروب والصراعات التي يشهدها العالم، موضحة أن تداعياتها لا تقتصر على الخسائر المادية والبشرية، وإنما تمتد إلى الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات، وتسهم في انتشار مشاعر الخوف والقلق وعدم الأمان، وظهور بعض مظاهر العنف والسلوكيات العدوانية.
وأكدت أن حماية الأبناء تبدأ من داخل الأسرة، قائلة إن علينا أن نعلم أبناءنا منذ الصغر كيف يقولون «لا»؛ لا للمخدرات، ولا للعنف، ولا للضغوط السلبية، ولا لأي سلوك يمكن أن يهدد مستقبلهم.
وأوضحت أن تعليم الطفل أن يقول «لا» لا يأتي من خلال الأوامر فقط، وإنما من خلال بناء ثقته بنفسه، وتنمية قدرته على التفكير النقدي واتخاذ القرار والتعبير عن مشاعره، وإيجاد علاقة آمنة مع الأسرة تجعله قادرًا على اللجوء إليها عندما يواجه مشكلة أو ضغطًا.
ونبّهت د. سهير عبد السلام إلى خطورة تجاهل جماعة الرفاق، مؤكدة أن الأصدقاء يمكن أن يكونوا عامل حماية أو عامل خطر، وقد يصبح تأثيرهم في بعض المراحل أقوى من تأثير النصائح المباشرة التي يقدمها الوالدان.
ولفتت إلى أهمية أن يكون الوالدان قريبين من أبنائهما، وأن يتعرفوا إلى عالمهم واهتماماتهم وأصدقاءهم، دون أن تتحول المتابعة إلى رقابة خانقة تدفع الأبناء إلى إخفاء حياتهم عن الأسرة.
كما أكدت أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به دور العبادة الإسلامية والمسيحية في ترسيخ القيم الإيجابية، وتعزيز قيم الرحمة والتسامح والمسؤولية والانتماء واحترام الآخر، بالتكامل مع الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام والمجتمع المدني.
وأضافت أن الأسرة لا تستطيع مواجهة كل هذه التحديات بمفردها، وهنا يأتي الدور المهم للمؤسسات التعليمية والجامعات، التي لا ينبغي أن يقتصر دورها على تقديم المعرفة الأكاديمية، وإنما يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء الإنسان ودعم المجتمع، من خلال التوعية والبحث العلمي والمشاركة المجتمعية.
وفي هذا السياق، أكدت د. سهير عبد السلام أن كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة بدر بالقاهرة تؤمن بأن الجامعة يجب أن تكون جزءًا فاعلًا من المجتمع، وأن تسهم في مناقشة قضاياه الحقيقية، وتوظف العلم والخبرة المتخصصة في خدمة الأسرة والمجتمع.
وأشارت إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن انتظار المشكلة حتى تقع إلى بناء منظومة متكاملة لحماية الإنسان نفسيًا واجتماعيًا.
وأكدت أن بناء الأسرة السوية لا يعني فقط توفير الاحتياجات المادية، وإنما يعني قبل ذلك توفير الأمان النفسي والحوار والاحتواء والاحترام والقدوة الصالحة.
واختتمت د. سهير عبد السلام كلمتها بالتأكيد على أهمية أن يخرج الملتقى ليس فقط بمجموعة من التوصيات، وإنما برؤية واضحة وخطوات عملية قابلة للتطبيق، تتحول من خلالها المناقشات والأفكار إلى برامج ومبادرات حقيقية تسهم في حماية الأسرة المصرية، والحد من مخاطر الإدمان والعنف والتفكك الأسري.
وأكدت أن الاستثمار الحقيقي في المجتمع يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وأن بناء أسرة سوية نفسيًا هو البداية الحقيقية لبناء مجتمع قوي وآمن ومستقر








