أدب وثقافة

عجوز الميناء.. بقلم/ غدير حميدان الزبون

 

عجوز الميناء

 

بقلم/ غدير حميدان الزبون / فلسطين

كان الغروب ينزع آخر خيوطه عن كَتِفَي الإسكندرية، ويترك للبحر مهمّة إطفاء النهار على مهل.

بدا الميناء في تلك الساعة زمنًا عالقًا بين وداعين: وداع الشمس التي تنزلق خلف الأفق كشيخٍ أرهقه السفر، ووداع النهار الذي يسلّم مفاتيحه للّيل دون ضجيج.

لا زالت الأمواج تضرب الحجارة بإيقاعٍ يشبه قلبًا عجوزًا ما زال يصرّ على الخفقان، تضربُ وتضربُ دون فتور، بينما تتكاثر أضواء السفن البعيدة مثل نجومٍ قررت أنْ تهاجر من السماء إلى الماء.

كنت أمشي بمحاذاة الرصيف الحجري في هروبٍ من ضجيج روحاني يرهقني منذ فترة، أسير برفقة ذهن شارد، وأراقب البحر وهو يعيد كتابة نفسه مع كل موجة، ما هي إلّا أمتار معدودة حتى استوقفتني امرأة بدت كأنها خرجت من قلب الزمن إلى زقاق المعمورة.

كانت تجلس على مقعدٍ خشبي صغير، وبين يديها لفافات تبغ رتبتها بعناية من اعتاد أنْ يرتب خساراته قبل بضاعته.

وجهها محمول على تجاعيد تتشكّل كأخاديد عميقة حفرتها السنون بإزميلٍ لا يعرف الرحمة، حتى غدا جلدها خريطةً دقيقة لأعوامٍ طويلة من الانتظار.

كلّ خطٍّ فيها يشبه طريقًا انتهى إلى خيبة، وكلّ انثناءة تبدو كأنها موجة يابسة توقفت عن الحركة لكنها لم تنسَ البحر.

كانت عيناها غائرتين إلا أنهما ظلّتا مشبعتين بذلك البريق الخافت الذي لا يبقى إلا في أعين الذين طال انتظارهم حتى صار الانتظار طبيعتهم الوحيدة.

رأيتها تطالع وجوه المارّة كما يطالع قارئٌ قديم صفحات كتاب يعرف نهايته مسبقًا.

تمرّ الوجوه أمامها، فتشيّعها بنظرة قصيرة، كأنها تعدّ أعمارًا، لعلّها تستعيد في كلّ عابر نسخةً قديمة من نفسها قبل أنْ يثقلها الزمن ويحوّل خطواتها إلى جذور.

كانت تبيع لفافات التبغ، لكنني شعرت أنها في الحقيقة كانت تبيع ما تبقّى من الوقت، فكلّ لفافة يشتريها أحدهم تنتزع من المساء دقيقة أخرى، ومن قلبها ذكرى أخرى.

بقيت ثابتة في مكانها وحيدة، بينما كان العالم كله يبحر من حولها.

وعندما اكتمل الليل ابتلع البحر آخر أثر للغروب، فصار الميناء أكثر اتساعًا مما تحتمله الأرواح.

فجأة مدّت يدها المرتجفة، وأخذت لفافة تبغ من ركنها الصغير، أشعلتها ببطءٍ يشبه صلاةً أخيرة.

ارتفع الدخان ملتفًا حول وجهها، فلم أعد أميز أين تنتهي ملامحها وأين يبدأ الضباب.

تدخن التبغ بشراهة غريبة، تأخذ نفَسًا وتطلق نفَسًا، فتحرق آخر ما بقي لها من انتظار.

نفثت آخر سحابة دخان، ثم رمقت البحر ساخرًة وقالت: الغريب أنّ الأطباء أمضوا عمري كله يحذرونني من التدخين، ولم يخبرني أحد أنّ الانتظار هو الذي يقتل أسرع.

ضحكت ضحكة قصيرة ويابسة كآخر قطعة خشب في سفينة غارقة.

وعندما التفتُّ بعد لحظات لم أجدها.

بقيت لفافات التبغ مرصوصة كما هي، لكنّ الموت اشترى آخر لفافة، ورحل دون أنْ يدفع الحساب.

فجأة غابت خلف سحابة الدخان، كما تغيب الموانئ في عيون البحّارة لحظة ابتعاد السفن.

يبدو أنّ الزمن قرّر أخيرًا أنْ يحملها معه.

أمّا أنا فبقيت أحدّق في المقعد الخشبي طويلًا، ولم أرَ سوى حفنة رماد.

ومنذ تلك الليلة كلما رأيت دخانًا يتصاعد قرب البحر أسأل: أيُّ عمرٍ يحترق هذه المرة؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى