صدى مصر

عندما ينفد رصيد المحبة ..بقلم / دعاء شعبان

عندما ينفد رصيد المحبة

دعاء شعبان

أحيانًا الإنسان لا يرحل لأنه لم يعد يحبك… يرحل لأنه لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد من الوجع.

 

هناك فرق كبير بين أن ينتهي الحب، وأن ينتهي رصيد الإنسان من القدرة على الاحتمال.

 

يمكن لقلبك أن يحب شخصًا حتى آخر لحظة، وفي نفس اللحظة يقرر عقلك أن يرحل.

 

وهذا هو الوجع الحقيقي… أن تترك شخصًا ما زال لك في قلبك مكان، لكن لم يعد لك في حياته أمان.

 

تظل تبرر له طويلًا: «يمكن ظروفه… يمكن مضغوط… يمكن أنا فهمت غلط… أكيد لسه بيحبني.»

 

وفي كل مرة كان يؤلمك فيها، كنت تبحث له عن عذر… وتترك نفسك بلا عذر.

 

كنت تسامح لأنك تحبه، وتسكت لأنك لا تريد خسارته، وتتنازل لأنك كنت تخاف أن يأتي يوم ولا تجده.

 

لكن الغريب أن الإنسان عندما يخاف كثيرًا من فقدان شخص… قد يفقد نفسه أولًا.

 

يأتي يوم لا تستطيع تحديده، تستيقظ فيه وتكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه.

 

لم تعد تنتظر رسالته، لم تعد تفرح باتصاله، لم تعد تسأل أين ذهب، لم تعد تغضب حتى عندما يؤلمك.

 

وهنا لا تكن سعيدًا… لأن عدم الغضب أحيانًا ليس تسامحًا… بل نهاية.

 

لقد بكيت كثيرًا حتى جفّت دموعك، عاتبت كثيرًا حتى مات العتاب بداخلك، انتظرت كثيرًا حتى مات الانتظار، وحاولت كثيرًا حتى ماتت الرغبة في المحاولة.

 

ثم يأتي هو في النهاية ويسألك: «إنت اتغيرت ليه؟»

 

ولا يعرف أن الذي تغيّر لم يكن قلبك… الذي تغيّر هو مقدار الوجع الذي يستطيع قلبك تحمّله.

 

لم تعد تريد منه اعتذارًا، ولا تفسيرًا، ولا وعودًا جديدة.

 

فبعض الاعتذارات تصل متأخرة جدًا، حتى إن القلب لا يعرف ماذا يفعل بها.

 

تسامحه… نعم. لكن لا تستطيع العودة.

 

لأن الثقة عندما تنكسر لا تعود كما كانت، ولأن بعض الجروح لا تنزف إلى الأبد… لكنها تترك ندبة لا تختفي.

 

وأقسى ما في الحكاية، أنك عندما ترحل قد يظن أنك قاسٍ.

 

قد يقول: «هو اللي اختار يمشي.»

 

ولا أحد يعرف أنك بقيت أكثر مما ينبغي.

 

ولا أحد رأى الليالي التي كنت تنام فيها مكسورًا وتستيقظ وكأن شيئًا لم يحدث.

 

ولا أحد يعرف كم مرة قلت لنفسك: «دي آخر مرة… وبعدها همشي.»

 

ثم بقيت.

 

حتى جاءت المرة التي لم تعد فيها قادرًا على البقاء.

 

فلا تلوم شخصًا وصل إلى آخر طاقته.

 

لا تسأله لماذا لم يعد يهتم، بعدما قضيت وقتًا طويلًا تجعله يشعر أنه لا يهمك.

 

لا تسأله لماذا أصبح باردًا، بعدما أحرقت كل دفء كان يحاول أن يعطيه لك.

 

ولا تتعجب من رحيله، بعدما جعلته يشعر طويلًا أن وجوده وغيابه سيان.

 

المحبة لا تنتهي دائمًا بالخيانة… أحيانًا تنتهي بالإهمال.

 

تنتهي عندما يشعر الإنسان أنه وحده داخل علاقة يفترض أن يكون فيها اثنان.

 

وتنتهي عندما يصبح الكلام كثيرًا… والفعل غائبًا.

 

وتنتهي عندما يتكرر الوجع لدرجة أن القلب يتوقف عن الشكوى.

 

وحين ينفد رصيد المحبة… لن تسمع صوتًا عاليًا، ولن ترى مشهدًا دراميًا.

 

قد ترى فقط إنسانًا هادئًا جدًا… يبتسم لك، ويقول: «مفيش حاجة.»

 

بينما الحقيقة أن هناك أشياء كثيرة حدثت… لدرجة أن الكلام عنها لم يعد له معنى.

 

وهنا تكون النهاية الحقيقية:

 

ليس عندما يقول لك: «أنا مش بحبك».

 

بل عندما يقول لك: «أنا لسه بحبك… بس مبقتش أقدر أكمل.»

 

فأحيانًا… أكثر الناس حبًا لنا هم أكثر الناس قدرة على الرحيل.

 

ليس لأنهم لم يحبونا بما يكفي… بل لأنهم أحبونا حتى استُهلكوا.

 

وفي لحظة ما، حين ينفد رصيد المحبة… لا يبقى في القلب كراهية.

 

يبقى شيء أكثر وجعًا:

 

اللامبالاة.

 

أن يصبح الشخص الذي كان يومًا أهم ما في حياتك… مجرد ذكرى لا تؤلمك، ولا تسعدك، ولا تعني لك شيئًا.

 

وهذه ليست قسوة…

 

هذه آخر مرحلة يصل إليها القلب بعد أن يتعب من النزيف.

 

بقلم الكاتبة دعاء شعبان

زر الذهاب إلى الأعلى