مقالات

مجتمع لا يسمع أنين أبنائه.. حين يصبح الصمت شريكًا في صناعة الألم

مجتمع لا يسمع أنين أبنائه.. حين يصبح الصمت شريكًا في صناعة الألم

 

دعاء شغبان

 

لم تعد أزمات المجتمع مقتصرة على الفقر أو البطالة أو ارتفاع الأسعار، فهناك أزمات أكثر قسوة لا تظهر في الإحصائيات، ولا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها تترك آثارًا عميقة في نفوس البشر، وتتمثل في غياب الرحمة، وتراجع المسؤولية، وانتشار اللامبالاة تجاه معاناة الآخرين.

 

أصبحنا نعيش وسط زحام من البشر، لكننا نفتقد أبسط صور الإنسانية. قد يسقط إنسان أمام أعين عشرات الأشخاص، فينشغل البعض بتصوير المشهد بدلًا من إنقاذه، وقد تتعرض امرأة للظلم، فيطالبها المجتمع بالصمت حفاظًا على العادات والتقاليد، وقد يصرخ طفل من الألم داخل منزله، بينما يختار المحيطون به عدم التدخل بحجة أن ما يحدث شأن عائلي.

 

وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: متى تحولت الخصوصية إلى ستار نخفي خلفه الظلم؟ ومتى أصبح الخوف من كلام الناس أقوى من الخوف على الإنسان نفسه؟

 

المشكلة ليست في وجود الأزمات وحدها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.

 

فكم من فتاة اضطرت إلى تحمل حياة مؤذية خوفًا من لقب مطلقة! وكم من أم تحملت الإهانة حتى لا يتشتت أبناؤها! وكم من شاب فقد الأمل لأنه لم يجد فرصة حقيقية للعمل، أو شخصًا يؤمن بقدراته! وكم من إنسان يبتسم أمام الجميع، بينما يخوض معركة نفسية لا يعلم عنها أحد شيئًا!

 

إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه المجتمع هو أن يعتاد رؤية الألم دون أن يتحرك، وأن يتعامل مع الظلم باعتباره أمرًا طبيعيًا، وأن يحاسب الضحية بدلًا من محاسبة من تسبب في أذيتها.

 

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف بعض المفاهيم التي اختلطت علينا؛ فالستر لا يعني حماية الظالم، والصبر لا يعني قبول الإهانة، والاحترام لا يعني التنازل عن الكرامة، والأسرة ليست مجرد جدران تجمع أفرادًا تحت سقف واحد، بل مسؤولية وأمان واحتواء.

 

كما أن الإصلاح المجتمعي لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل يبدأ من داخل كل بيت، ومن طريقة تربيتنا لأبنائنا، ومن احترامنا لحقوق الآخرين، ومن رفضنا للتنمر والتحرش والعنف والاستغلال، ومن قدرتنا على قول كلمة حق عندما يتطلب الموقف ذلك.

 

لسنا بحاجة إلى مجتمع يتحدث كثيرًا عن الأخلاق، بل إلى مجتمع يمارسها.

 

مجتمع يحمي الضعيف بدلًا من لومه، ويمنح الشباب فرصة بدلًا من إحباطهم، ويحترم المرأة باعتبارها إنسانًا كامل الحقوق، ويحفظ للطفل حقه في الأمان، ولا يجعل كرامة الإنسان ثمنًا لإرضاء الآخرين.

 

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يجب ألا ننساها: أن قوة المجتمعات لا تُقاس بعدد أبراجها ولا بحجم ثرواتها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وصيانة كرامته.

 

فالمجتمع الذي لا يشعر بأوجاع أبنائه، لا يمكنه أن يصنع لهم مستقبلًا أفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى