مقالات

منى فتحي تكتب  «بيت الدمية حين تتحول المرأة إلى ظل في بيتها» 

منى فتحي تكتب

«بيت الدمية حين تتحول المرأة إلى ظل في بيتها»

 

«في عالم يكتبُ فيه الرجالُ للرجال كانت هناك نساء تُكتبُ عنهنَّ روايات تكشفُ وجعهن الصامت.

رواية قلبتِ المفاهيمَ، وفضحت التناقضات رواية تحولت إلى صرخة مسرحية ما زالت أصداؤها تتردد حتى اليوم

 

 

ليست بعض الأعمال الأدبية مجرد نصوص تُقرأ، بل زلازل هادئة تغير شكل الأسئلة في وعينا، وتُعيد ترتيب علاقتنا بالذات والعالم أعمال تُكتب في زمنٍ بعينه، لكنها تظل عابرة للعصور، لأن جوهرها لا يشيخ الإنسان حين يُختزل، والمرأة حين تُحاصَر، والحرية حين تتحول من حق طبيعي إلى معركة وجود.

من هذا النوع تحديدًا جاءت مسرحية بيت الدمية،هنفتحُ بيت الدمية، بيت الأسرار والقيود والأحلام المجهضة

بيت الدمية مسرحية نثرية من ثلاثة فصول كتبها المسرحي النرويجي هنريك إبسن عام 1879.

عُرِضَت لأول مرة على المسرح الملكي الدنماركي في كوبنهاجن الدنمارك في ديسمبر 1879.

 

المسرحية تفضح الوضع الاجتماعي للمرأة فى القرن التاسع عشر في أوروبا

 

«نورا» الزوجة الشابة التي تبدو سعيدة، لكنها في الواقع أسيرة منظومة ذكورية ترى المرأة «دمية» للزينة والطاعة.

 

تكشف الأحداث كيف اضطرت نورا لتزوير توقيع لإنقاذ زوجها، ثم تحملت وحدها العار والخطر، بينما كان هو يتمسك بسمعته وصورته الاجتماعية.

 

من الرواية إلى المسرح الإذاعي في مصر

المسرحية تُرجمت إلى العربية على يد كامل يوسف، وأُعدت خصيصًا للإذاعة المصرية.

قدّمتها الإذاعة المصرية بإخراج إذاعي متميز، وأعد مقدمتها الفنان محمود مرسي الذي قدم أيضًا بصوته مدخلًا تحليليًا للنص.

شارك في الإخراج الإذاعي إبراهيم أبو المجد كمساعد مخرج.

بطولة سناء جميل في دور «نورا» نور الدمرادش، وإحسان الشريف.

 

الإذاعة أضافت بعدًا صوتيًا مميزًا نبرة نورا المرتجفة، صوت الباب وهو يُغلق في النهاية، موسيقى تُصعد التوتر، وهو ما منح المستمع إحساسًا بصريًا رغم غياب الصورة.

 

الأفكار والمعاناة في الرواية

الرواية تسائل السلطة الأبوية والزواج القائم على التملّك بدل الشراكة.

 

تُبرز معاناة المرأة من التهميش وفقدان الهوية وتحويلها إلى وسيلة متعة أو أداة تجميل اجتماعي.

 

لحظة خروج نورا من البيت وإغلاق الباب الشهير أصبحت رمزًا للتمرد النسوي عالميًا.

 

في الأدب العالمي نلمح صدى «بيت الدمية» في أعمال فرجينيا وولف، خاصة «غرفة تخص المرء وحده» وفي رواية «مدام بوفاري» لفلوبير التي تكشف خنق المرأة في قوالب أخلاقية.

 

في الأدب العربي والمصري نجد طرحًا مشابهًا عند نوال السعداوي في «امرأة عند نقطة الصفر»

جميع هذه الأعمال تكشف الوجه نفسه،المرأة التي تتحول من إنسانة ذات عقل وحق إلى «دمية» في بيت زوج أو مجتمع.

 

رغم مرور أكثر من 140 عامًا على «بيت الدمية» إلا أن أسئلتها لا تزال حية: ما حدود الحرية الشخصية؟ كيف تتحول القوانين والعادات إلى سجن؟

 

في عالمنا العربي، لا تزال المرأة تواجه أشكالًا من القهر مختلفة الألوان لكن متشابهة الجوهر.

في نهاية بيت الدمية يُغلق الباب لكنه ليس باب النهاية، بل باب بداية البحث عن ذاتٍ أُهدرت كل رواية أو مسرحية نسوية لاحقة هي صدى لتلك الضربة الصوتية الأولى نحن نعيد الحكاية اليوم كتذكير أن المرأة ليست دمية، وأن البيوت التي تُبنى على القهر لا تصمد،

وأن الباب حين يُغلق مرة يُغلق إلى الأبد.

 

من هذا النوع تحديدًا جاءت مسرحية بيت الدمية للكاتب النرويجي هنريك إبسن عمل لم يكتفِ بفضح بنية الزواج التقليدي في القرن التاسع عشر، بل كشف جوهر علاقة مختلة ما زالت تتبدل أشكالها دون أن يتبدل قهرها. مسرحية جعلت من بيتٍ أنيق واجهةً، ومن داخله سجنًا مزينًا بالحب الزائف والامتثال الاجتماعي.

 

في هذا المقال، لا نقرأ بيت الدمية بوصفها نصًا كلاسيكيًا محفوظًا في أرشيف الأدب العالمي، بل ككائن حي يتنفّس داخل أسئلتنا المعاصرة:

من نكون داخل بيوتنا؟

ومن نُجبر على أن نكونه؟

وأي الأبواب نغلقها خوفًا وأيها نغلقها بحثًا عن الذات؟

هنا تبدأ الحكاية لا كحكاية امرأة واحدة، بل كمرآةٍ لآلاف النساء اللواتي وُضِعن في دور «الدمية» باسم الحب، وباسم العائلة، وباسم الفضيلة وهنا أيضًا يبدأ المقال بوصفه محاولة للإصغاء إلى صوتٍ قديم، ما زال حتى الآن يطرق أبوابنا بقوة لا تخطئها الأذن.

بقلم الكاتبة

منى فتحي

زر الذهاب إلى الأعلى