أدب وثقافة

حين تقاسمت القاهرة بين إبراهيم بك ومراد بك. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

التاريخ من وراء الستار

حين تقاسمت القاهرة بين إبراهيم بك ومراد بك

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

شريكان في الحكم، متنافسان على النفوذ، ودولة عثمانية قررت استعادة قبضتها على مصر

لم تكن القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر مدينةً يحكمها سلطان واحد، بقدر ما كانت ساحةً تتقاطع فوقها إرادات متنافسة؛ أمراء مماليك يتصارعون على المال والنفوذ، ودولة عثمانية تملك الحق في السيادة، لكنها تعجز عن فرض إرادتها كاملة، وشعبٌ يدفع من أقواته ثمن صراعٍ لم يكن طرفًا في صنعه.

كان العرش العثماني بعيدًا في إسطنبول، لكن ظله حاضر فوق مصر. أما السلطة الحقيقية، فكانت تتنقل بين بيوت الأمراء، وتُحسم داخل القصور، وتُختبر في ساحات القتال، وتُقاس بما يدخل خزائن الحكام من أموال.

وفي قلب هذا المشهد، برز رجلان سيصبح اسماهما عنوانًا لمرحلة كاملة: إبراهيم بك ومراد بك.

لم يكن أحدهما نسخةً من الآخر؛ فقد مال إبراهيم إلى إدارة شؤون الحكم وتدبير المصالح، بينما ارتبط اسم مراد بالقوة العسكرية والنفوذ الميداني. جمعتهما المصلحة حين احتاج كل منهما إلى الآخر، وفرّقتهما طبيعة السلطة حين أصبح النفوذ غنيمةً يخشى كل طرف أن يستأثر بها شريكه.

لكن السؤال الذي يكشف ما وراء الستار ليس: كيف اقتسم الرجلان حكم مصر؟

بل: كيف وصل الأمر بمصر إلى أن يصبح مصيرها مرهونًا بتوازنٍ بين أميرين، في الوقت الذي كانت فيه دولة كبرى تستعد لاستعادة ما تراه حقًا ضائعًا لها؟

من مات أبو الذهب، ولم تمت الفتنة

في يونيو سنة 1775، مات محمد بك أبو الذهب، الرجل الذي استطاع في سنوات قليلة أن يفرض نفسه قوةً رئيسية داخل النظام المملوكي، وأن يترك خلفه فراغًا سياسيًا لم يكن من السهل ملؤه.

لم تكن وفاة أبي الذهب نهاية مرحلة فحسب، بل كانت بداية صراع جديد على وراثة النفوذ. فحين يغيب الرجل الذي يجمع الخيوط بيده، لا تختفي الخيوط؛ بل يبدأ كل طرف في جذب ما يستطيع منها نحوه.

تقدم إبراهيم بك إلى صدارة المشهد، وتولى منصب شيخ البلد، وهو منصب ارتبط بالنفوذ السياسي والإداري داخل القاهرة. غير أن صعوده لم يكن كافيًا لإنهاء المنافسة؛ فقد ظل إسماعيل بك حاضرًا في معادلة القوة، كما كان مراد بك يمتلك ما لا يقل أهمية عن المال والمناصب: القوة العسكرية والقدرة على تحريك الرجال.

وهكذا، لم تكن القاهرة أمام خلاف عابر بين أمراء، بل أمام سؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق إصدار القرار، ومن يستطيع إجبار الآخرين على تنفيذه.

في عالم المماليك، لم يكن المنصب وحده يصنع الحاكم، ولم تكن الألقاب ضمانًا لاستمرار النفوذ. فالأمير الذي يفقد رجاله أو موارده قد يحتفظ بلقبه، لكنه يفقد القدرة على التحكم في الأحداث. أما الذي يمتلك القوة، فقد يستطيع فرض إرادته حتى إن لم يجلس وحده في مقعد الحكم.

ومن هنا بدأت ملامح الشراكة بين إبراهيم بك ومراد بك تتشكل، لا على أساس تطابق الرؤى، وإنما على أساس إدراك كل منهما أن الانفراد بالسلطة قد يكون أصعب من اقتسامها.

شريكان في الحكم، لا في طبيعة القوة

لم تكن العلاقة بين إبراهيم بك ومراد بك صداقةً خالصة، ولا تحالفًا مضمونًا إلى الأبد. لقد جمعت بينهما مصلحة سياسية فرضتها ظروف المرحلة، وكان كل منهما يدرك أن إضعاف شريكه قد يفتح الباب أمام خصومهما معًا.

مال إبراهيم بك إلى إدارة شؤون الحكم، وتدبير العلاقات والمصالح، بينما ارتبط مراد بك أكثر بالقيادة العسكرية، وأصبح نفوذه بين المماليك عنصرًا حاسمًا في بقاء هذا التوازن.

لكن توزيع الأدوار لا يعني بالضرورة استقرار الدولة.

فقد ينجح رجلان في اقتسام السلطة، من دون أن ينجحا في بناء نظام يستطيع الاستمرار بعدهما. وقد يمنع الاتفاق بينهما انفجار الصراع مؤقتًا، لكنه لا يضمن أن تتحول مصلحة الطرفين إلى مصلحة عامة.

وفي سنة 1777، اشتد الصراع بين القوى المملوكية، واضطر إبراهيم بك ومراد بك إلى مغادرة القاهرة والتوجه نحو صعيد مصر، حيث حاولا الحفاظ على نفوذهما بعيدًا عن مركز الحكم. غير أن خروجهما لم يكن نهاية المطاف؛ ففي سنة 1778 عادا إلى القاهرة، واستعادت الشراكة موقعها في قلب الحياة السياسية.

كان المشهد يوحي بأن ميزان القوة قد استقر من جديد، لكنه كان يخفي هشاشةً عميقة.

فالقاهرة التي يعود إليها الأمراء بعد كل جولة من الصراع لا تعني بالضرورة أنها أصبحت أكثر استقرارًا. قد تعود الوجوه نفسها إلى القصور، بينما تظل أسباب الأزمة قائمة: تنافس على الموارد، وغياب سلطة قادرة على ضبط الجميع، وعلاقة مضطربة بين الحكم المحلي والدولة صاحبة السيادة الرسمية.

وكانت إسطنبول تراقب.

مصر العثمانية، والسيادة التي لا تصل إلى الشارع

من الناحية القانونية، ظلت مصر ولايةً تابعة للدولة العثمانية، وكان السلطان هو صاحب السيادة العليا عليها. أما في الواقع، فقد امتلك الأمراء المماليك مساحة واسعة من السلطة، وتحكموا في جانب مهم من الإدارة والموارد والقوة العسكرية.

لم يكن هذا التناقض جديدًا على مصر، لكنه أصبح أكثر خطورة كلما اتسعت المسافة بين ما تقوله القوانين وما يجري على الأرض.

كانت الدولة العثمانية تريد من مصر أن تظل جزءًا من نظامها السياسي والمالي، وأن تلتزم بما عليها من موارد ومهام. أما الأمراء المماليك، فكانوا يسعون إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة، حتى باتت سلطتهم العملية تتجاوز في أحيان كثيرة حدود ما تقبله إسطنبول.

ولم يكن الخلاف مجرد مسألة ألقاب أو مراسم سلطانية؛ فقد تعلق بالأموال، وبمن يقرر كيفية تحصيلها، وبمن يملك حق التصرف فيها، وبالحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها الأمراء.

وحين تتراجع سلطة الدولة المركزية، لا تختفي الدولة من حياة الناس، بل قد تتحول إلى طرف بعيد يطالب بالموارد، بينما يواجه السكان في حياتهم اليومية رجال السلطة المحلية وجباة الضرائب وأصحاب النفوذ.

وهنا تظهر الكلفة التي لا تكشفها سجلات الأمراء وحدها.

حين يدفع الناس ثمن الصراع

لا يمكن فهم هذه المرحلة من خلال أسماء الحكام والمعارك وحدها؛ فالتاريخ لا يُكتب في القصور فقط، بل يُكتب أيضًا في الحقول والأسواق والبيوت التي تنتظر موسمًا أفضل، أو تخشى جابيًا أشد قسوة.

كانت موارد مصر الزراعية والتجارية أساسًا مهمًا لقوة من يحكمها. ولذلك لم يكن التحكم في الضرائب مجرد مسألة مالية، بل كان وسيلةً لترسيخ النفوذ، وتمويل الأتباع، والحفاظ على القوة العسكرية.

وحين يتنافس الأمراء على السلطة، تصبح الموارد جزءًا من المعركة. وكلما احتاج الحاكم إلى المال لتثبيت موقعه، ازداد إغراء اللجوء إلى الجباية، خصوصًا في ظل غياب رقابة مستقرة تستطيع حماية السكان من التعسف.

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول هذه الصورة إلى حكم مطلق، ولا أن ننسب كل ضيق اقتصادي إلى شخص بعينه؛ فقد تداخلت في أحوال مصر عوامل متعددة، من اضطراب السياسة إلى تقلبات الزراعة والتجارة والأزمات الطبيعية. ومع ذلك، فإن طريقة إدارة الموارد تستطيع أن تخفف آثار الأزمات أو تضاعفها.

وهنا تتضح الفجوة بين امتلاك السلطة والقدرة على بناء حكم مستقر: فقد يستطيع الأمير أن يجمع المال، وأن يحشد الرجال، وأن يهزم خصمه، لكنه لا يكون بالضرورة قد أنشأ نظامًا يحمي المجتمع من تقلبات الصراع.

كان إبراهيم بك ومراد بك يحافظان على نفوذهما، لكن بقاءهما في القمة لم يكن دليلًا على أن الأزمة المصرية قد حُلّت. فقد ظلت البلاد تعيش داخل معادلة قابلة للاهتزاز كلما تغير ميزان القوة أو تبدلت مصالح الأطراف.

وكانت إسطنبول ترى في هذا الوضع تحديًا لا يمكن تجاهله طويلًا.

1786 حين قررت إسطنبول أن تتدخل

لم يكن التدخل العثماني وليد لحظة غضب مفاجئة. فقد تراكمت أسباب الخلاف بين الباب العالي والأمراء المماليك؛ من اضطراب الالتزامات المالية، إلى مقاومة السلطة العثمانية، إلى مخاوف إسطنبول من اتصالات بعض الأمراء بقوى أجنبية، في وقت كانت فيه محاولاتهم لتوسيع استقلالهم العملي تتعارض مع رغبة الدولة في استعادة قبضتها على مصر.

وتورد بعض الدراسات روايات عن تفاهمات مع فرنسا واتصالات مع الجانب الروسي. وينبغي التعامل مع هذه التفاصيل بحذر، لا باعتبارها تفسيرًا وحيدًا للحملة، بل بوصفها جزءًا من بيئة سياسية اتسعت فيها الشكوك وتداخلت فيها المصالح المحلية مع صراعات القوى الكبرى.

وفي سنة 1786، قررت الدولة العثمانية التحرك عسكريًا، وأرسلت حملة بقيادة حسن باشا الجزائري، المعروف أيضًا باسم جَزائيرلي غازي حسن باشا، لإعادة فرض السلطة العثمانية.

وصلت الحملة إلى مصر في صيف ذلك العام، وبدأت مواجهة لم تكن مجرد صدام بين جيشين، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة إسطنبول على تحويل سيادتها الاسمية إلى سلطة فعلية.

كانت الدولة العثمانية تريد استعادة الانضباط، وإخضاع الأمراء الذين تحدوا إرادتها، وإعادة ترتيب الحكم في القاهرة. أما المماليك، فكانوا يدافعون عن نظامٍ منحهم نفوذًا واسعًا، وعن مصالح تشكلت عبر سنوات طويلة.

لم تكن المواجهة متكافئة في أدواتها. فقد امتلكت الدولة العثمانية إمكانات عسكرية وسياسية أوسع، بينما اعتمد المماليك على قوتهم المحلية وشبكات الولاء التي أحاطت بهم.

ومع تصاعد العمليات العسكرية، تعرضت قوات مراد بك للهزيمة، واضطر إبراهيم بك ومراد بك إلى التراجع والخروج من القاهرة. ثم دخل حسن باشا العاصمة، وأعاد ترتيب السلطة فيها، وأسند منصب شيخ البلد إلى إسماعيل بك، الذي عُدّ أقرب إلى الدولة العثمانية.

للمرة الأولى منذ سنوات، بدا أن إسطنبول قد استعادت زمام المبادرة.

لكن الانتصار العسكري شيء، وإنهاء النفوذ السياسي المتجذر شيء آخر.

انتصار في القاهرة، ومشكلة في صعيد مصر

لم يكن إخراج إبراهيم بك ومراد بك من القاهرة كافيًا لإنهاء وجودهما السياسي والعسكري. فقد احتفظ الرجلان بأتباعهما وبقدر من القدرة على الحركة، واتجها إلى صعيد مصر، حيث ظلت لهما قواعد نفوذ لا تستطيع الحملة العثمانية محوها بمجرد السيطرة على العاصمة.

وهنا ظهرت حدود القوة العثمانية.

فقد تستطيع حملة عسكرية أن تهزم خصمًا في معركة، وأن تفرض حاكمًا في العاصمة، لكنها لا تستطيع بالضرورة القضاء على شبكة من المصالح والولاءات تمتد عبر البلاد. وكان إخضاع صعيد مصر وإزالة نفوذ المماليك يحتاجان إلى استمرار العمليات، وتوفير الموارد، وتحمل أعباء عسكرية وسياسية إضافية.

واصلت الحملة عملياتها خلال سنة 1787، لكن الظروف الدولية فرضت نفسها على حسابات إسطنبول. فقد كانت الدولة العثمانية تقترب من مواجهة جديدة مع روسيا، الأمر الذي جعل استمرار استنزاف القوات في مصر عبئًا لا يمكن تجاهله.

لم يكن حسن باشا قادرًا على التعامل مع مصر وكأنها ملف منفصل عن بقية الإمبراطورية؛ فكل قوة تُستخدم في مكان قد تحتاج إليها الدولة في مكان آخر، وكل حملة طويلة قد تصبح عبئًا عندما تتغير الأولويات.

وهكذا بدأت السياسة تبحث عن مخرج لم تستطع القوة العسكرية أن تحسمه بصورة نهائية.

انتهى الأمر بتسوية سمحت لإبراهيم بك ومراد بك بالبقاء في صعيد مصر، مقابل إعلان الولاء للسلطان والمساهمة في تأمين طرق الحج.

لم تكن التسوية اعترافًا باستقلالهما، ولم تكن انتصارًا عثمانيًا كاملًا. لقد كانت حلًا مؤقتًا فرضته حدود القوة والظروف العسكرية؛ إذ قبلت الدولة ببقاء خصمين لم تستطع القضاء على نفوذهما، بينما قبِل الرجلان بتراجع موقعهما عن القاهرة من دون التخلي نهائيًا عن طموحهما في العودة.

وهنا تكمن المفارقة: تدخلت إسطنبول لتؤكد سيادتها، لكنها اضطرت في النهاية إلى التفاوض مع القوى التي أرادت إخضاعها.

أما إبراهيم بك ومراد بك، فقد خسرا العاصمة، لكنهما لم يخسرا كل ما يتيح لهما العودة إليها يومًا ما.

1791 حين فتح الموت باب القاهرة من جديد

مرت السنوات، وظل ميزان القوة قابلًا للتغير. وفي سنة 1791، ضرب الطاعون مصر، وكان من بين ضحاياه إسماعيل بك وعدد من الأمراء المماليك.

لم يكن الطاعون طرفًا في الصراع السياسي، لكنه غيّر نتائجه. فحين رحل إسماعيل بك، الذي استند إليه الحكم في القاهرة بعد الحملة العثمانية، اختل التوازن الذي قام عليه النظام الجديد.

لم يحتج إبراهيم بك ومراد بك إلى إنشاء قوة من الصفر؛ فقد ظلت لهما صلاتهما وأتباعهما في صعيد مصر. وما إن ظهر الفراغ السياسي حتى تحركا نحو العاصمة، مستفيدين من تراجع خصومهما ومن انهيار أحد الأعمدة التي قام عليها ترتيب الحكم بعد الحملة.

عاد الرجلان إلى القاهرة سنة 1791، واستعادا موقعهما في مركز السلطة بعد نحو خمس سنوات من إبعادهما.

لكن عودتهما لم تكن انتصارًا لنظام جديد، بل عودةً إلى معادلة قديمة لم تستطع الأحداث أن تتجاوزها. لقد أثبتت السنوات أن إبعاد الأمراء عن العاصمة لا يعني زوال نفوذهم، كما أثبتت أن الدولة العثمانية، على الرغم من قدرتها على التدخل، لم تتمكن من بناء سلطة مستقرة تنهي الصراع على الحكم في مصر.

عاد إبراهيم بك ومراد بك، لكن السؤال ظل قائمًا: ماذا تغيّر حقًا؟

لقد تغيرت الوجوه التي امتلكت اليد العليا، وتبدلت موازين القوة، وسقط أمراء وصعد آخرون، غير أن المشكلة الأساسية بقيت: سلطة تتنازعها قوى متعددة، وموارد تتحول إلى وقود للصراع، ودولة مركزية تريد استعادة نفوذها من دون أن تملك دائمًا القدرة على تثبيته.

ولم تكن المشكلة أن مصر افتقرت إلى الرجال الأقوياء؛ فقد عرفت أمراء يمتلكون المال والرجال والشجاعة والقدرة على المناورة. لكن القوة الفردية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء نظام سياسي قادر على حماية البلاد من تقلبات المصالح والصراعات.

كان إبراهيم بك ومراد بك قد نجحا في العودة إلى القاهرة، لكنهما لم ينجحا في إغلاق أبواب الأزمة التي فتحتها سنوات التنافس والتدخلات الخارجية.

ما وراء الستار…

لم تكن الحكاية حكاية رجلين فقط

إذا قرأنا هذه المرحلة باعتبارها صراعًا بين إبراهيم بك ومراد بك من جهة، والعثمانيين من جهة أخرى، فسوف نفهم جانبًا من الأحداث، لكننا سنفقد معناها الأعمق.

لقد كشفت الأزمة عن ثلاثة مستويات متداخلة من السلطة: دولة عثمانية تملك السيادة الرسمية، وأمراء مماليك يملكون جانبًا كبيرًا من القوة الفعلية، ومجتمع يتحمل نتائج الصراع على الموارد والقرار.

لم يكن العثمانيون عاجزين عن إرسال الجيوش، لكنهم لم يستطيعوا تحويل كل انتصار عسكري إلى سيطرة دائمة. ولم يكن المماليك عاجزين عن استعادة القاهرة، لكنهم لم يتمكنوا من إنهاء التنافس الذي جعل الحكم عرضةً للاهتزاز. وبين الطرفين، ظلت مصر أكبر من أن تُختزل في خلاف بين أمراء، وأثمن من أن يكون مصيرها مجرد نتيجة لصراع على النفوذ.

وبحلول سنة 1791، بدا أن التاريخ يعيد نفسه: يخرج أمراء من القاهرة، ثم يعودون إليها؛ تتدخل إسطنبول، ثم تضطر إلى التسوية؛ تتبدل مراكز القوة، لكن أزمة الحكم لا تجد حلًا نهائيًا.

غير أن التاريخ كان يُعدّ لمصر اختبارًا مختلفًا تمامًا.

ففي أوروبا، كانت فرنسا قد خرجت من ثورة كبرى غيّرت نظامها السياسي، ودفعت جيشها إلى قلب صراعات جديدة. وكان البحر المتوسط يتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الأوروبية، بينما احتلت الطرق التجارية المؤدية إلى الشرق مكانة متزايدة في حسابات الدول الكبرى.

لم يكن أحد في القاهرة قادرًا على معرفة الصورة كاملة، لكن النظام المملوكي كان يواجه عالمًا يتغير بسرعة، فيما ظلت أزماته الداخلية تستنزف قدرته على التكيف.

بعد سبع سنوات من عودة إبراهيم بك ومراد بك إلى القاهرة، ستصل الحملة الفرنسية إلى شواطئ مصر، بقيادة نابليون بونابرت، لتضع حكم المماليك أمام اختبار لا يشبه الحملات العثمانية السابقة.

هذه المرة، لن يكون السؤال فقط: من يحكم القاهرة؟

بل: هل يستطيع نظامٌ أنهكته صراعاته الداخلية أن يصمد أمام قوة أوروبية جاءت بأهداف عسكرية وسياسية أوسع من مجرد تغيير حاكم؟

في المقال القادم من «التاريخ من وراء الستار»:

حين وصل نابليون إلى مصر

الحملة التي هزّت عالم المماليك، وكشفت هشاشة نظام الحكم، ووضعت مصر في قلب صراع دولي غيّر مسار تاريخها.

زر الذهاب إلى الأعلى