أدب وثقافةالدين و الحياة

كيف بدأت الدعوة الأولى؟.

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

كيف بدأت الدعوة الأولى؟.

بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك ليالٍ تغيّر مصير إنسان، وهناك ليالٍ تغيّر مصير أمة، ثم هناك ليلة نادرة تغيّر مسار التاريخ كله. في غار حراء انشقّ الصمت لأول مرة بكلمة من السماء، وانتهت مرحلة امتدت قرونًا من انتظار الرسالة الأخيرة. لكن نزول الوحي لم يكن نهاية القصة، بل كان بدايتها الحقيقية. فبعد أن عاد محمد صل الله عليه وسلم من الجبل يحمل أثقل أمانة عرفتها الأرض، لم تكن مكة تدرك أن أيامها المقبلة ستشهد صراعًا بين عالمين، عالمٍ بناه الناس بأيديهم، وعالمٍ جاء به الوحي من عند الله.
كيف بدأت الدعوة الأولى؟ ومن كانوا أول من صدّقوا الرسالة قبل أن يسمع بها الناس؟ وكيف تحولت كلمات قليلة نزلت في غار معزول إلى قوة ستغيّر وجه الجزيرة العربية ثم تمتد إلى العالم؟ بين الخوف الأول، واليقين الأول، والإيمان الأول، تبدأ مرحلة جديدة من السيرة، مرحلة لم تعد فيها السماء تخاطب نبيها فقط، بل بدأت تخاطب البشرية كلها.
ليست أخطر الثورات في التاريخ تلك التي تبدأ في الشوارع،بل تلك التي تبدأ داخل العقول. فالجيوش تستطيع احتلال المدن، لكن الأفكار وحدها هي التي تستطيع احتلال الزمن. ولهذا فإن معظم الناس يتذكرون اللحظات الصاخبة في التاريخ؛ سقوط إمبراطورية، أو اندلاع حرب، أو قيام دولة جديدة. لكنهم نادرًا ما ينتبهون إلى المرحلة الأخطر: المرحلة التي تسبق ظهور كل ذلك.
مرحلة البذور.
المرحلة التي يبدو فيها كل شيء صغيرًا إلى درجة لا تلفت الانتباه، بينما يكون المستقبل كله مختبئًا داخلها. وهكذا بدأت الحكاية بعد نزول الوحي. لم يكن في مكة جيش جديد. ولا حزب سياسي جديد. ولا حركة اجتماعية منظمة. كان هناك رجل واحد فقط عاد من غار حراء يحمل يقينًا غيّر حياته إلى الأبد. لكن السؤال الذي حيّر التاريخ هو . كيف تحولت كلمات قليلة سُمعت في غار منعزل إلى حضارة غيّرت وجه العالم؟
الجواب يبدأ من السنوات السرية. حين اختارت الرسالة أن تبدأ بالإنسان في قراءة التاريخ، يبدو أمرًا لافتًا أن الدعوة الإسلامية لم تبدأ بحشد الجماهير. ولم تبدأ بالسيطرة على الأسواق. ولم تبدأ بمواجهة مباشرة مع زعماء قريش. بل بدأت بشيء أكثر عمقًا. بدأت ببناء الإنسان. فأول من آمنوا لم يكونوا أصحاب نفوذ سياسي، بل كانوا نماذج إنسانية مختلفة.
كانت السيدة خديجة رضي الله عنها أول من صدّق.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أوائل المؤمنين. ثم بدأت الدائرة تتسع بهدوء. علي بن أبي طالب. زيد بن حارثة. ثم رجال ونساء رأوا في الرسالة إجابة عن أسئلة كانت تؤرقهم منذ سنوات. وكأن الإسلام في بدايته لم يكن يبحث عن العدد،بل عن النوع. لماذا كانت الدعوة سرية؟ هنا يطرح التاريخ سؤالًا مهمًا.
إذا كانت الرسالة حقًا، فلماذا لم تُعلن منذ اللحظة الأولى؟ والإجابة لا تتعلق بالخوف كما يتصور البعض، بل بفهم طبيعة التحولات الكبرى. فكل مشروع يغيّر العالم يحتاج أولًا إلى بناء قاعدة صلبة. وكان المجتمع المكي مجتمعًا قبليًا شديد الحساسية تجاه أي تغيير يمس معتقداته ومصالحه. ولهذا جاءت المرحلة الأولى لبناء النواة المؤمنة قبل الدخول في المواجهة الفكرية الكبرى.
كانت السنوات السرية أشبه بفترة إعداد طويلة قبل أن يسمع العالم الرسالة كاملة. دار الأرقام ،المكان الذي لم تلتفت إليه قريش في ظاهر الأمر لم تكن دار الأرقم سوى منزل بسيط في مكة. لكن بعض البيوت الصغيرة تغيّر التاريخ أكثر من القصور.
ففي تلك الدار اجتمع المؤمنون الأوائل. هناك تعلموا القرآن. وهناك تشكل وعي الجيل الأول.
وهناك وُلدت الفكرة التي ستخرج لاحقًا من حدود مكة إلى حدود العالم. ولعل المفارقة أن زعماء قريش كانوا منشغلين بالتجارة والأسواق وموازين النفوذ التقليدية. بينما كان التحول الحقيقي يحدث بعيدًا عن أعينهم. فالتاريخ كثيرًا ما يغيّر مساره في الأماكن التي لا ينتبه إليها أحد. مكة لا تشعر بالخطر بعد خلال تلك السنوات، لم تكن قريش ترى في الأمر تهديدًا كبيرًا. فعدد المؤمنين قليل. والدعوة ما زالت محدودة. والحياة تسير كما اعتادت. الكعبة ما زالت مليئة بالأصنام. والقوافل تواصل رحلاتها. والأسواق تعج بالحركة.
لكن هذا هو الخطأ الذي وقعت فيه كثير من القوى عبر التاريخ. فالأفكار لا تُقاس بحجمها لحظة ولادتها. بل بقدرتها على النمو. وكانت الفكرة الجديدة تنمو بهدوء داخل مكة. بينما لم يدرك أحد أن السنوات القادمة ستجعلها أكبر من حدود الجزيرة كلها. ماذا كانت تصنع هذه المرحلة؟ لو نظرنا إلى الأحداث بعين المؤرخ لا بعين الراوي فقط، سنكتشف أن المرحلة السرية لم تكن فترة انتظار. بل كانت مرحلة تأسيس. ففيها تشكل الجيل الأول. وفيها تربى الرجال والنساء الذين سيحملون الرسالة لاحقًا. وفيها تأسست منظومة فكرية وأخلاقية ستصمد أمام الاضطهاد والحصار والهجرة والحروب.
لقد كانت السنوات السرية تصنع الإنسان الذي سيصنع التاريخ.
ولهذا لم يكن الهدوء الذي عاشته مكة آنذاك علامة على ضعف الفكرة. بل كان جزءًا من عملية نموها. فالأشجار العظيمة لا تبدأ ضخمة،بل تبدأ بذرة. في ذلك الوقت، لم يكن أحد في مكة يتخيل أن ما يحدث داخل دار الأرقم سيصبح يومًا جزءًا من تاريخ الإنسانية. كانت الأحداث تبدو صغيرة. ومحدودة. وبعيدة عن مراكز القوة. لكن التاريخ يحمل لنا درسًا يتكرر في كل عصر
أخطر التحولات لا تبدأ حين يراها الجميع،بل تبدأ حين لا يراها أحد. وهكذا مرت السنوات السرية هادئة في ظاهرها. لكن تحت هذا الهدوء كانت أمة جديدة تتشكل. وكان جيل جديد يُصنع. وكانت الكلمات التي بدأت في غار حراء تستعد للخروج إلى العلن. وعند تلك اللحظة تحديدًا ،سيتحول الصمت إلى مواجهة. وسيتحول الحوار إلى صراع فكري مفتوح. وسيقف رجل فوق جبل في مكة ليقول كلمات ستُشعل جدلًا لم ينطفئ حتى اليوم.
فماذا حدث عندما أُمر النبي(ص) أن يصدع بما يؤمر؟ وكيف استقبلت قريش الإعلان العلني للرسالة؟ ذلك ما سنكشفه في المقال القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار

زر الذهاب إلى الأعلى