مقالاتمنوعات

قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون

حين تتحول «المقايضة الكبرى» من فكرة اقتصادية إلى سؤال عن الأمن القومي

قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون

حين تتحول «المقايضة الكبرى» من فكرة اقتصادية إلى سؤال عن الأمن القومي

 

بقلم/ ممدوح عكاشة

لم تكن قناة السويس يومًا مجرد مشروع اقتصادي يدر إيرادات على خزانة الدولة، ولم تكن مجرد مجموعة من الأرصفة والموانئ والممرات المائية التي يمكن أن تُقيَّم بالأرقام ثم توضع في كفة، ويوضع الدين العام في الكفة الأخرى.

قناة السويس أكبر من ذلك بكثير.

هي شريان عالمي، وموقع استراتيجي، ورمز من رموز السيادة المصرية، وواحدة من أهم أوراق القوة التي تمتلكها الدولة المصرية.

ولهذا جاء الحديث المتداول خلال الساعات الماضية عن فكرة «المقايضة الكبرى»، وإمكانية إدخال أصول استراتيجية ــ من بينها قناة السويس ــ في مقايضة مقابل المديونية المحلية، ليطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل يجوز أصلًا التعامل مع قناة السويس باعتبارها أصلًا ماليًا يمكن نقله من جهة حكومية إلى جهة حكومية مقابل إطفاء جزء من الدين؟

الفكرة التي طرحها رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل تقوم، في جوهرها، على نقل بعض أصول الدولة إلى البنك المركزي مقابل نقل ما يقابل قيمتها من مديونية، بهدف تخفيف عبء الدين المحلي. وقد أعيد طرحها بقوة بعد تسوية مديونية ماسبيرو من خلال نقل ملكية أصول غير مستغلة وتسويات مالية.

لكن هنا يجب أن نتوقف.

تسوية مديونية ماسبيرو شيء، والتعامل مع قناة السويس شيء آخر تمامًا.

ففي حالة ماسبيرو، جرى الحديث عن أصول غير مستغلة، بينما أكدت التفاصيل المنشورة أن التسوية تضمنت نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل، بقيمة 18.06 مليار جنيه، مع إلغاء فوائد وغرامات متراكمة، دون المساس بالأصول التي تحقق عائدًا للهيئة.

أما قناة السويس، فهي ليست أرضًا غير مستغلة، وليست مبنى إداريًا، وليست شركة متعثرة يمكن نقل ملكيتها من مؤسسة إلى أخرى لإغلاق حساب مالي.

إنها قناة تمر بها التجارة العالمية.

والأهم من ذلك أن هيئة قناة السويس نفسها تضع ضمن أهدافها الاستراتيجية تعظيم إيرادات القناة وتطوير المجرى الملاحي وضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تساوي قناة السويس؟

بل:

ماذا تساوي قناة السويس لمصر بعد خمسين أو مائة عام؟

فالديون يمكن إعادة هيكلتها، ويمكن التفاوض بشأن آجالها وفوائدها، ويمكن زيادة الإيرادات وخفض النفقات، ويمكن استغلال الأصول غير المستغلة، ويمكن جذب الاستثمار وفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج.

أما الأصول الاستراتيجية، فالتعامل معها يجب أن يكون بمنتهى الحذر.

الدولة التي تعاني من أزمة ديون تحتاج إلى حلول جريئة، نعم، لكنها تحتاج قبل الجرأة إلى الحكمة.

ولا يجب أن يتحول الضغط المالي إلى سبب للتفريط في أصول تمثل قوة مصر الاقتصادية والاستراتيجية للأجيال القادمة.

أنا مع إعادة هيكلة الاقتصاد المصري، ومع استغلال كل أصل غير مستغل، ومع التخلص من الأصول التي لا تحقق عائدًا، ومع تحويل ممتلكات الدولة الجامدة إلى مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل وتزيد موارد الدولة.

لكنني في الوقت نفسه أقول بوضوح:

هناك فرق بين استغلال أصول الدولة وبين المساس بأصول الدولة الاستراتيجية.

وقناة السويس يجب أن تكون في مقدمة الأصول التي تُعامل بمنتهى الحساسية.

لقد مرت مصر بأزمات اقتصادية عديدة، وتجاوزتها، وستتجاوز أزمتها الحالية أيضًا، ولكن لا ينبغي أن يكون علاج أزمة مؤقتة سببًا في خلق مشكلة دائمة.

الديون تُسدَّد… أما الأوطان فلا تُقايَض.

وهنا لا بد من فتح حوار اقتصادي واسع، يشارك فيه خبراء الاقتصاد والقانون والسياسة، لتحديد ما يمكن استخدامه من أصول الدولة في إدارة الدين العام، وما يجب أن يظل خارج أي حسابات مالية، لأن قيمة بعض الأصول لا تُقاس فقط بما يمكن أن تحققه في ميزانية هذا العام، وإنما بما تمثله من أمن قومي وسيادة وحقوق للأجيال القادمة.

وفي النهاية، فإن مصر لا تحتاج فقط إلى «مقايضة كبرى»…

مصر تحتاج إلى رؤية كبرى للخروج من دائرة الديون، وزيادة الإنتاج، وتعظيم مواردها، وحماية أصولها الاستراتيجية.

وهذا هو الطريق الذي يحفظ للدولة أموالها، وللمواطن مستقبله، ولمصر سيادتها.

زر الذهاب إلى الأعلى