صدى مصرمقالاتمنوعات

هنا نابل.  بقلم المعز غَنِـي

هنا نابل.  بقلم المعز غَنِـي

 

توضيح مهم جدًا… لأن تقلبات الخريف لم تنتهِ بعد …!

المشكلة ليست دائمًا في كمية المطر… بل في قدرتنا على أستقبالها وتصريفها …!

هناك كلام قد لا يعجب كثيرين، وربما يزعج البعض، لكن بعض الحقائق لا تُقال لإرضاء الناس، وإنما تُقال حتى نضع أيدينا على أصل المشكلة.

دعونا نتحدث بهدوء، بعيدًا عن التهويل، وبعيدًا أيضًا عن الاستهانة…

نحو 40 أو 50 مليمتراً من الأمطار ليست، في حد ذاتها، كارثة.

وقد تكون الكميات أكبر محليًا، خصوصًا عندما تنزل في فترة زمنية قصيرة وبكثافة، فتتحول من مجرد أرقام في نشرات الطقس إلى أختبار حقيقي لقدرة المدن على أستيعاب المياه.

فالمطر ليس عدوًا.

المطر نعمة.

المطر حياة.

المطر رزق من الله.

لكن المشكلة تبدأ عندما تسقط المياه على مدينة لا تستطيع بنيتها التحتية التعامل معها بالسرعة المطلوبة.

وهنا تحديدًا يجب أن نكون أكثر عقلانية في قراءة المشهد.

فليس الرقم وحده هو الذي يحدد حجم الخطر.

خمسون مليمتراً في منطقة فلاحية ليست بالضرورة مثل خمسين مليمتراً فوق مدينة مكتظة.

هناك فرق بين أرض تستطيع أمتصاص جزء من المياه، ومجال عمراني تغطيه الخرسانة والإسفلت.

هناك فرق بين منطقة مفتوحة، ومدينة تضم آلاف المنازل والسيارات والتلاميذ والعمال والمواطنين، وتتشابك فيها الطرقات والأنفاق والمنخفضات وشبكات تصريف مياه الأمطار.

وهنا تظهر الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها:

المطر لا يصنع وحده حجم الضرر… المكان وجاهزيته يصنعان جزءًا كبيرًا منه.

عندما تهطل المياه بغزارة وفي وقت وجيز، فإن كل دقيقة تصبح مهمة.

إذا كانت البالوعات نظيفة، وقنوات التصريف مهيأة، والأودية مفتوحة، والنقاط السوداء معالجة، والشبكات قادرة على أستيعاب التدفق، فإن المياه تجد طريقها.

أما إذا كانت البالوعات مسدودة، والقنوات تحتاج إلى صيانة، والأودية تعاني من تراكم الأوساخ، وبعض النقاط المنخفضة معروفة مسبقًا بتجمع المياه…

فإن المطر الذي كان يجب أن يكون مجرد حدث خريفي يتحول إلى أختبار قاسٍ للبنية التحتية.

ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يكون في صلب النقاش:

إذا كانت عشرات المليمترات من المطر قادرة على تعطيل أجزاء من مدينة، فهل المشكلة فعلًا في المطر وحده؟

لماذا تتكرر التجمعات المائية في النقاط نفسها؟

لماذا نعرف بعض النقاط السوداء ولا تتم معالجتها معالجة جذرية؟

لماذا ننتظر نزول المطر حتى نكتشف أن بالوعة مسدودة أو قناة غير قادرة على التصريف؟

ولماذا تتحول كل موجة مطرية إلى حالة أستنفار، بدل أن تكون البنية التحتية مستعدة لها مسبقًا؟

هذه ليست أسئلة للبحث عن مذنب.

إنها أسئلة للبحث عن حل.

فالمدينة الحديثة لا تُقاس فقط بجمال شوارعها وأرصفتها ومبانيها، وإنما أيضًا بقدرتها على مواجهة الظروف الطبيعية.

والإستعداد للأمطار لا يبدأ عندما تتلبد السماء.

الإستعداد يبدأ قبل ذلك بكثير.

يبدأ بالصيانة الدورية.

يبدأ بتنظيف البالوعات.

يبدأ بجهر الأودية.

يبدأ بتنظيف قنوات تصريف مياه الأمطار.

يبدأ بمعالجة النقاط السوداء.

يبدأ بمراجعة الشبكات القديمة.

ويبدأ، قبل كل شيء، بالتخطيط العمراني الذي يأخذ في الإعتبار أن الطبيعة لا تسير دائمًا وفق ما نريده نحن.

أما قرار إيقاف الدروس…

فلا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدات.

إذا رأت السلطات أن الظروف الجوية وحالة الطرقات وحركة التنقل قد تشكل خطرًا على التلاميذ والإطار التربوي، فإن القرار الوقائي يمكن أن يكون مفهومًا عندما تكون الغاية حماية الأرواح وتقليل المخاطر.

لكن القرار الوقائي، مهما كان مبرره، لا يجب أن يكون نهاية النقاش.

بل يجب أن يكون مناسبة لطرح سؤال أكبر:

ماذا سنفعل حتى لا نكرر المشهد نفسه في المرة القادمة؟

لأن تعليق الدروس ليوم أو يومين قد يحمي التلاميذ من خطر آني، لكنه لا يحل مشكلة تصريف مياه الأمطار.

والمدينة التي تتكرر فيها المشكلة نفسها مع كل أمطار غزيرة تحتاج إلى أكثر من بيانات وتحذيرات مؤقتة.

تحتاج إلى عمل ميداني مستمر.

والخريف لم ينتهِ بعد…

وهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يعنيه الأمر:

في المقام الأول سلطة الإشراف ممثلة في شخص والية نابل _ السيدة الكاتبة العامة المكلّفة بتسيير شؤون بلدية نابل _معتمد نابل المدينة _ أعضاء مجلس نواب الشعب عن دائرة نابل 1و 2 _ أعضاء المجالس الجهات والاقاليم بولاية نابل

لا تنتظروا المطر حتى تبدأوا في تنظيف البالوعات.

لا تنتظروا تجمع المياه حتى تتذكروا الأودية.

لا تنتظروا أنسداد الطرقات حتى تبحثوا عن قنوات التصريف.

ولا تنتظروا مفاجآت الخريف حتى تكتشفوا نقاط الضعف.

أفتحوا البالوعات.

طهّروا الأودية.

نظّفوا قنوات تصريف مياه الأمطار.

راجعوا النقاط السوداء.

وتفقدوا الشبكات قبل أن تأتي العاصفة التالية.

فما نراه اليوم يجب أن يكون إنذارًا للاستعداد، لا مناسبة للتهويل.

نحن لا نحتاج إلى تخويف الناس من المطر.

نحتاج إلى تعليمهم كيف نتعامل معه.

ولا نحتاج إلى تحويل كل كمية أمطار إلى كارثة إعلامية.

نحتاج إلى معرفة أين تكمن نقاط الضعف، وكيف نعالجها.

المطر ليس هو المشكلة…

المطر نزل قبلنا، وسينزل بعدنا.

نزلت أمطار أغزر في سنوات سابقة، وستأتي سنوات أخرى بأمطار أشد.

وهذا أمر طبيعي في مناخ متقلب، ولا يمكن التعامل معه بمنطق المفاجأة الدائمة.

السماء تمطر، وهذه سنة الله في الأرض.

أما كيف نستقبل المطر، فهذه مسؤولية الإنسان.

فإذا كان المطر يكشف في كل مرة النقائص نفسها، فلا يجوز أن نظل نلوم السماء.

المطر يكشف ما هو موجود أصلًا.

يكشف ضعف شبكة.

يكشف أنسداد بالوعة.

يكشف سوء تصريف.

يكشف نقطة منخفضة.

يكشف تقصيرًا في الصيانة.

ويكشف أحيانًا أن ما كنا نعتقد أنه جاهز، لم يكن جاهزًا بالقدر الكافي.

وهذه ليست إدانة لأحد بعينه، وإنما دعوة إلى أن ننظر إلى المشكلة بعين المسؤولية.

لأن المواطن لا يريد أن يسمع فقط:

“إنها أمطار غزيرة.”

بل يريد أن يعرف:

ماذا فعلنا قبل نزولها؟

وماذا سنفعل بعد أنتهائها؟

فالأمطار ستتوقف…

لكن البالوعات ستبقى.

والأودية ستبقى.

والطرقات ستبقى.

والمدينة ستبقى.

كلمة أخيرة…

لا تخافوا من المطر، ولا تستهينوا به.

أحترموا قوة الطبيعة، وأستعدوا لها.

فالمطلوب ليس أن نوقف المطر، فهذا مستحيل.

المطلوب أن نبني مدينة تستطيع أن تستقبل المطر دون أن تتحول كل موجة هطول إلى أزمة.

وإذا كانت التقلبات الجوية ستتواصل، فإن الإستعداد يجب أن يتواصل معها أيضًا.

لذلك أقولها اليوم، وأكررها غدًا:

أجهروا البالوعات، ونظفوا الأودية، وطهّروا قنوات تصريف مياه الأمطار… فالخريف ما زال في بداياته، ومفاجآت الخريف لم تنتهِ بعد.

ولا تجعلوا أول قطرة مطر هي التي تذكّركم بآخر مرة قمتم فيها بالصيانة.

المطر نعمة من الله…

والبنية التحتية مسؤولية الإنسان.

وحين نحسن أستقبال النعمة، لا تتحول إلى نقمة.

فالمشكلة ليست دائمًا في السماء…

أحيانًا تكون الإجابة كلها تحت أقدامنا.

ربي يحفظ تونس وأهلها، ويحفظ أبناءنا وتلاميذنا، ويجعل كل قطرة غيث خيرًا وبركة، وأن يلهم كل من يتحمل مسؤولية الشأن العام حسن الاستعداد قبل أن تأتي المفاجأة القادمة.

والسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى