السيسي… بين التطوير وحاضنة الفهم وعدم الاستعلاء
بقلم/ حسين عبيد
صحفي وباحث قانوني واقتصادى
حين يصبح التطوير مشروعًا للإنسان قبل أن يكون مشروعًا للمكان
استوحيت هذا المقال من التعبير الذي طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديثه إلى شباب الخريجين من الأكاديمية العسكرية، حين حذر من الاستعلاء الوظيفي أو الديني، وحتى الاستعلاء المرتبط بالشعور بالاستقامة، مؤكدًا أن هذا النوع من الاستعلاء يمثل خطرًا على الفرد والمجتمع.
والحقيقة أن الرسالة هنا تتجاوز مجرد النصيحة الأخلاقية؛ فهي تضع أيدينا على قضية أعمق تتعلق بكيفية بناء الإنسان الذي يحمل مسؤولية الدولة.
فليس المهم فقط أن تمتلك المعرفة، وإنما الأهم أن تعرف كيف تستخدم هذه المعرفة، وكيف تفهم الواقع، وكيف تستوعب حجم التحديات، وكيف تتعامل مع الآخر باعتباره شريكًا في المجتمع وليس مجرد متلقٍ للأوامر والقرارات.
التطوير الحقيقي لا يبدأ من الحجر وحده، ولا تقاس قيمته بعدد المشروعات التي شُيدت أو الطرق التي أُنشئت، وإنما يبدأ من الإنسان القادر على فهم الهدف من هذا التطوير، وإدراك احتياجات المجتمع، والبحث عن حلول تتجاوز الشكل إلى جوهر المشكلة.
وهنا تأتي أهمية اختيار أفضل العناصر الشبابية للعمل العام، وفق معايير واضحة تقوم على الكفاءة والقدرة والفهم، بعيدًا عن المحاباة أو المجاملة. فالدولة الحديثة تحتاج إلى عناصر تستطيع أن ترى الصورة كاملة، وأن تدرك أن المسؤولية ليست وجاهة وظيفية، وإنما تكليف وأمانة.
إن الدولة المصرية تواجه تحديات متلاحقة في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد، ولذلك فإن بناء المؤسسات يحتاج إلى إنسان يمتلك القدرة على التفكير والعمل الجماعي، لا إلى شخص يرى في موقعه الوظيفي امتيازًا على الآخرين.
فالاستعلاء، أيًّا كان مصدره، قد يصنع حاجزًا بين صاحب القرار والمواطن، وبين المسؤول والمجتمع، ويحوّل لغة الحوار إلى لغة فوقية. وعندما يشعر الإنسان بأنه أعلى من غيره بسبب وظيفته أو علمه أو مكانته الاجتماعية أو حتى تصوره عن استقامته، فإن المسافة بينه وبين الآخرين تتسع، وتضعف روح الفريق.
والاستعلاء ليس مجرد سلوك شخصي؛ فقد تكون له آثار اجتماعية ومؤسسية عندما يتحول إلى ثقافة في التعامل.
فالإنسان لا يحتاج من مؤسسات الدولة أن تشعره بأنه أقل منها، وإنما يحتاج إلى أن يشعر بأن القانون يحميه، وأن المسؤول يتعامل معه باحترام، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الانتقاص من قيمة الإنسان.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين التطوير والفهم.
فالتطوير بلا فهم قد يتحول إلى مجرد تغيير في الشكل، بينما الفهم يمنح التطوير معناه الحقيقي. والتطوير بلا إنسان واعٍ قد يظل مشروعًا عمرانيًا، أما عندما يقترن ببناء الإنسان فإنه يصبح مشروعًا للدولة والمجتمع.
لقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية توسعًا في مشروعات البنية الأساسية والعمران، لكن التحدي الأكبر يظل في بناء الإنسان القادر على الحفاظ على ما تم إنجازه، وتطويره، وتحويله إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الجمهورية الجديدة باعتباره لا يرتبط بالعمران وحده، وإنما ببناء الإنسان والمؤسسات معًا.
فالطريق والمدينة والمصنع والجامعة والمستشفى كلها مهمة، لكن الأهم هو الإنسان الذي يدير هذه المؤسسات، ويحترم المواطن، ويعرف حدود سلطته، ويؤمن بأن الوظيفة العامة مسؤولية وليست سلطة على الناس.
إن بناء الدولة الحديثة يحتاج إلى روح الفريق بدلًا من روح الأنا، وإلى الفهم بدلًا من الاستعلاء، وإلى الكفاءة بدلًا من المجاملة، وإلى الحوار بدلًا من المسافة بين المسؤول والمواطن.
وفي النهاية، فإن الجمهورية الجديدة التي نريدها ليست مجرد مبانٍ جديدة، وإنما دولة حديثة يكون الإنسان فيها هو محور التنمية، وتكون المؤسسات فيها أقوى من الأشخاص، ويكون القانون هو المرجعية التي تنظم العلاقة بين الجميع.
نبني الجمهورية الجديدة ببناء الإنسان بعد تشييد العمران، ليكون الإنسان القادر هو القاطرة، والمؤسسة هي الإطار، والقانون هو الحصن.
وهكذا يصبح التطوير الحقيقي ليس مجرد تغيير في المكان، وإنما تغيير في الإنسان، وفي طريقة التفكير، وفي ثقافة العمل العام.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بالاستعلاء… وإنما بالفهم.








