مقالات
أخر الأخبار

التاريخ من وراء الستار بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين ثارت القاهرة على نابليون
الثورة التي كشفت أن احتلال العاصمة لا يعني امتلاك البلاد، وأن المدافع تستطيع إسكات الشوارع لكنها لا تصنع الولاء
لم يكن نابليون بونابرت يتوقع، وهو يدخل القاهرة بعد انتصاره على المماليك، أن المدينة التي بدت خاضعة لسلطته ستتحول بعد أشهر قليلة إلى ساحة مواجهة دامية مع جيشه.

لقد انتصر في موقعة الأهرام، ودخل عاصمة مصر، وفرض سلطته على دواوينها وأسواقها، لكنه اكتشف أن هزيمة جيش في ميدان مفتوح لا تعني إخضاع مجتمع كامل، وأن السيطرة على العاصمة قد تكون بداية معركة أخرى، لا نهايتها.

كانت مصر بالنسبة إلى نابليون أكثر من أرض يحتلها؛ فقد أرادها قاعدة لنفوذه في الشرق، ووسيلة لإضعاف المصالح البريطانية، وخطوة في مشروع استراتيجي يتجاوز حدود النيل. غير أن القاهرة لم تكن صفحة بيضاء يستطيع أن يكتب عليها ما يشاء، ولم يكن أهلها مجرد متفرجين على الصراع بين فرنسا والمماليك والدولة العثمانية وبريطانيا.

ففي الأسواق والأحياء، وبين التجار وأصحاب الحرف والعلماء وسكان المدينة، كانت أسباب السخط تتراكم. وحين انفجرت الثورة في أكتوبر 1798، وجد نابليون نفسه أمام مقاومة لم يكن ممكنًا تفسيرها بسيوف المماليك وحدها، ولا القضاء على جذورها بقوة المدافع.
انتصار في الميدان… وأزمة داخل المدينة
دخل الفرنسيون القاهرة في أواخر يوليو 1798، بعد هزيمة المماليك في موقعة الأهرام. واتجه مراد بك نحو الصعيد، بينما انسحب إبراهيم بك شرقًا، وتراجعت قدرة المماليك على الدفاع عن العاصمة بقوة موحدة.

لكن الانتصار البري لم يضمن لنابليون الاستقرار. ففي الأول من أغسطس 1798، ألحق الأسطول البريطاني بقيادة الأميرال هوراشيو نلسون هزيمة ساحقة بالأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، ودُمّر القسم الأكبر من سفن الحملة أو خرج من الخدمة.
لم تكن الهزيمة مجرد خسارة بحرية؛ فقد أضعفت اتصال نابليون بفرنسا، وقيّدت وصول التعزيزات والإمدادات، وجعلت جيشه أكثر اعتمادًا على الموارد الموجودة في مصر.

وأصبح عليه أن يحكم بلدًا واسعًا، بينما بقيت المقاومة المملوكية قائمة في مناطق مختلفة، ولم يمنحه السكان شرعية لمجرد أن جيشه دخل العاصمة.
حاول نابليون أن يقدم نفسه حاكمًا يحترم الإسلام، وأن يفصل بين الفرنسيين وبين المماليك الذين حمّلهم مسؤولية ما عاناه المصريون من ظلم. واستعان بالعلماء والأعيان، وأنشأ دواوين لإشراك بعض الشخصيات المحلية في الإدارة، وسعى إلى إظهار أن سلطته الجديدة ستراعي دين البلاد وتقاليدها.

لكن المشكلة كانت أعمق من البيانات والخطابات.
فالقرار النهائي ظل في يد القيادة الفرنسية، بينما أخذت إجراءات الاحتلال المالية والإدارية تتدخل في حياة الناس بصورة مباشرة. وهكذا اتسعت الفجوة بين ما تعلنه السلطة من احترام لأهل البلاد، وما تفرضه عليهم من تدابير هدفها تأمين الجيش وتثبيت السيطرة.

كيف تحولت المظالم إلى ثورة؟
لم تنفجر القاهرة بسبب قرار واحد، ولم تكن ثورتها نتيجة مؤامرة منفردة يمكن رد الأحداث إليها. لقد تداخلت الأعباء المالية، والتدخل في شؤون السكان، والرفض الديني والسياسي للاحتلال، حتى أصبحت المدينة قابلة للاشتعال.

كان جمع الأموال من أبرز مصادر التوتر. فالجيش الفرنسي احتاج إلى تمويل وجوده، وأخذت السلطة تبحث عن موارد لتغطية نفقاته، فاشتدت إجراءات تحصيل الضرائب والمساهمات المالية، وامتد التفتيش إلى البيوت والدكاكين بحثًا عن الأموال والممتلكات.
ولم تقف الإجراءات عند حدود الحسابات المالية؛ فقد أثار تفتيش البيوت، والتدخل في شؤون التجار، وهدم بعض أبواب الحارات والمنشآت لأغراض أمنية وعسكرية، غضب السكان ومخاوفهم. فهذه لم تكن قرارات بعيدة عن حياتهم، بل إجراءات اقتربت من أرزاقهم وخصوصية بيوتهم وأمان أحيائهم.
وكان للدين مكانته العميقة في تشكيل موقف قطاعات واسعة من المجتمع. فوجود جيش أجنبي يفرض سلطته على بلد مسلم، وما صاحب ذلك من احتكاكات وانتهاكات، جعل مسألة الاحتلال تتجاوز الخلاف على الضرائب والإدارة إلى قضية تتصل بالكرامة والهوية وحق المجتمع في تقرير مصيره.
أما العلماء والأعيان، فلم يكونوا كتلة واحدة ذات موقف موحد. فقد حاول بعضهم التفاوض مع الفرنسيين أو العمل من خلال الديوان لتخفيف الأعباء وحماية السكان، بينما اتخذ آخرون مواقف رافضة للاحتلال، وشارك بعضهم في التعبئة أو الوساطة أو المقاومة.
ولم يكن مجرد المشاركة في الديوان دليلًا على قبول الاحتلال؛ فقد تحركت بعض الشخصيات داخل مساحة ضيقة من المناورة، بين سلطة مسلحة لا يمكن تجاهلها ومجتمع يطالبها بالدفاع عن مصالحه.
وهكذا لم تكن القاهرة تنتظر إشارة من قائد مملوكي كي تثور. كانت أسباب المواجهة تتجمع داخل أحيائها وأسواقها، حتى تحولت حالة السخط المتراكم إلى انتفاضة مفتوحة.
الحادي والعشرون من أكتوبر… حين انتفضت القاهرة

في الحادي والعشرين من أكتوبر 1798، اندلعت الثورة في القاهرة، وامتدت المواجهات إلى عدد من أحيائها، وشارك فيها سكان وعلماء وطلاب من الأزهر وفئات أخرى من المجتمع.
لم تكن الثورة جيشًا نظاميًّا يقف في مواجهة جيش نظامي؛ فقد واجه الفرنسيون مقاومة شعبية داخل مدينة يعرف أهلها شوارعها ومداخلها، ويستطيعون التحرك بين أحيائها وإقامة المتاريس في طرقها. وتحولت الأسواق والممرات والمباني إلى أجزاء من ساحة القتال

ومع انتشار أخبار الانتفاضة، تحرك نابليون لمتابعة الموقف واتخاذ إجراءات لاستعادة السيطرة، بعدما أدرك أن ما يجري يتجاوز اضطرابًا محدودًا في بعض الأحياء. فقد أُغلقت المتاجر، وهاجم الثوار مواقع فرنسية، وتعرض جنود وضباط للقتل، وأصبح استمرار الثورة خطرًا مباشرًا على سلطة الحملة في عاصمتها.

ومن أبرز القتلى الفرنسيين الجنرال دومينيك دوبوي، الحاكم العسكري للقاهرة، والضابط جوزيف سولكوفسكي، أحد ضباط نابليون المقربين، الذي قُتل خلال أحداث الثورة أثناء وجوده في المدينة.

كان لمقتل دوبوي وسولكوفسكي أثر يتجاوز خسارة ضابطين؛ فقد أظهر أن الانتفاضة لم تعد اضطرابًا محدودًا يمكن احتواؤه بإرسال قوة صغيرة إلى أحد الأحياء. لقد أصبح الجيش الفرنسي يواجه تحديًا مباشرًا لسلطته داخل المدينة التي جعلها مركز حكمه.
وكان الفرق بين هذه المواجهة وموقعة الأهرام واضحًا. ففي ميدان المعركة،

استطاع الفرنسيون توظيف المدفعية والتنظيم العسكري في مواجهة فرسان المماليك، أما في القاهرة، فقد واجهوا مدينة مكتظة تتداخل فيها حركة السكان مع خطوط تقدمهم، وتتحول فيها كل محاولة لاستعادة السيطرة إلى مواجهة قد تزيد الغضب اتساعًا.
حين اتجهت المدافع إلى قلب القاهرة
لم يتعامل نابليون مع الثورة بوصفها خلافًا سياسيًّا يمكن احتواؤه بالتفاوض وحده. فقد لجأ الجيش الفرنسي إلى القوة العسكرية، واستخدم المدفعية لقصف مواقع المقاومة ومناطق من المدينة، فسقط قتلى وجرحى

وتضررت مبانٍ، واتسعت دائرة الدمار.
ومع تقدم القوات الفرنسية، تركز جانب من المقاومة في المنطقة المحيطة بالجامع الأزهر، الذي لم يكن مجرد مسجد، بل مركزًا دينيًّا وعلميًّا بارزًا في حياة القاهرة.

وفي ذروة القمع، دخل الجنود الفرنسيون الجامع الأزهر وهم على ظهور خيولهم، في مشهد تجاوز دلالته العسكرية إلى انتهاك حرمة مؤسسة دينية كبرى. وتذكر الروايات التاريخية أنهم ربطوا خيولهم في داخله، وعاثوا في بعض مرافقه ومحتوياته، وألقوا كتبًا ومصاحف على الأرض وداسوها. وقد تركت هذه الوقائع أثرًا عميقًا في الذاكرة المصرية، لأنها مست مكانة الأزهر ورمزيته في المجتمع.

لم يكن القصف مجرد وسيلة لفتح طريق أو تفريق مجموعة من المقاتلين؛ بل كان تعبيرًا عن إصرار القيادة الفرنسية على إنهاء التحدي بالقوة. ومع تفوق الجيش في السلاح والتنظيم، أخذت المقاومة تتراجع، وتمكنت القوات الفرنسية من استعادة السيطرة على مناطق المدينة.

لكن استعادة الشوارع لم تكن تعني انتهاء أسباب الغضب. فالخوف قد يدفع الناس إلى التراجع عن المواجهة المباشرة، لكنه لا يمحو الذاكرة، ولا يحول السلطة المفروضة بالقوة إلى سلطة مقبولة.

من قمع الثورة إلى إحكام القبضة
بعد إخماد الانتفاضة، اتجهت السلطة الفرنسية إلى تشديد الإجراءات الأمنية، واعتقال عدد من المشاركين والمشتبه فيهم، وفرض عقوبات قاسية على من حملوا السلاح. وشهدت الأيام التالية إعدامات وإجراءات انتقامية، في محاولة لترهيب السكان ومنع تجدد المقاومة.

كانت الرسالة واضحة: لن تسمح القيادة الفرنسية بتكرار تحدٍّ مسلح يهدد وجودها في القاهرة.
ومع ذلك، لم تكن الثورة نهاية الوجود الفرنسي في مصر، ولم تُخرج نابليون من العاصمة. فقد أخمدها الجيش بالقوة، وظل الاحتلال قائمًا. لكن أحداث أكتوبر كشفت أن السيطرة العسكرية لا تضمن الاستقرار، وأن استمالة العلماء والأعيان وإنشاء الدواوين لا تكفي وحدها لبناء حكم يحظى بقبول المجتمع.

فالمماليك لم يختفوا من المشهد، واستمرت المقاومة في مناطق مختلفة، ولا سيما في الصعيد. كما ظل الأسطول البريطاني عاملًا حاسمًا في عزل القوات الفرنسية عن جانب كبير من خطوط الإمداد. وبذلك واجه نابليون تحديات متشابكة: مقاومة محلية لا يمكن تجاهلها، وخصومًا إقليميين يستعدون لمواجهته، وقيودًا استراتيجية فرضتها خسارة الأسطول في أبي قير.
كانت القاهرة قد كشفت له أن حكم مصر أصعب من دخول عاصمتها، وأن المحافظة على أرض محتلة لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تتأثر أيضًا بموقف السكان، وقدرة السلطة على إدارة البلاد، وحجم التهديدات التي تواجهها من الخارج.
ما الذي كشفته الثورة؟

لم تنتصر ثورة القاهرة عسكريًّا؛ فقد قُمعت، ودفع أهل المدينة ثمنًا باهظًا من أرواحهم وممتلكاتهم. لكن قيمتها التاريخية لا تُقاس بنتيجتها العسكرية وحدها، بل بما كشفته من حدود المشروع الفرنسي.

أثبتت الثورة أن المجتمع المصري لم يكن مجرد متفرج على الصراع بين فرنسا والمماليك وبريطانيا والدولة العثمانية، بل كان طرفًا قادرًا على التأثير في مسار الأحداث، حتى عندما افتقر إلى جيش منظم يضاهي جيش الاحتلال.

وكشفت كذلك أن سلطة نابليون، على الرغم من تفوقها العسكري، ظلت تواجه مشكلة الشرعية. فالحاكم الذي يصل إلى البلاد بقوة السلاح يستطيع فرض الأوامر، لكنه لا يستطيع أن يضمن قبولها، ولا أن يحول الخضوع المؤقت إلى ولاء دائم.

ومن وراء أحداث أكتوبر 1798، تبدو الثورة لحظة كاشفة في تاريخ الحملة الفرنسية: لم تكن مصر أرضًا خالية من الإرادة تنتظر من يحدد مصيرها، بل مجتمعًا له مؤسساته وذاكرته ومصالحه وقدرته على المقاومة، وإن اختلفت أشكال هذه المقاومة من منطقة إلى أخرى ومن فئة إلى أخرى.

لقد دخل نابليون القاهرة منتصرًا على المماليك، ثم واجه في شوارعها حقيقة لم تستطع موقعة الأهرام أن تكشفها له:
امتلاك المدينة شيء، وامتلاك إرادة أهلها شيء آخر.

لكن الأزمة لم تكن داخل القاهرة وحدها. فقد كانت الحرب تتسع من حول نابليون، وكانت الدولة العثمانية تستعد لمواجهة الوجود الفرنسي في مصر بعد إعلان الحرب على فرنسا. وأمام احتمال تعرض الحملة لهجوم عثماني، قرر نابليون نقل الحرب إلى بلاد الشام، في محاولة لمواجهة

خصومه قبل أن يصلوا إليه، وإبعاد الخطر عن مصر، وتوسيع نطاق نفوذه.
وهكذا اتجهت أنظاره شمالًا، نحو غزة ويافا وعكا. وهناك، لم يعد التحدي

مجرد مواجهة جيش في ميدان مفتوح، بل اقتحام مدينة محصنة تدافع عنها قوات عثمانية، وتحظى بدعم بحري بريطاني. وكانت تلك الحملة ستكشف أن الانتصارات السابقة لا تضمن النصر في كل ميدان، وأن الطموح العسكري قد يصطدم بحدود ترسمها الجغرافيا والتحصينات وموازين القوى.
في المقال القادم من «التاريخ من وراء الستار»:

حين حاصر نابليون عكا
الحملة التي أرادت فتح أبواب الشرق، فاصطدمت بأسوار مدينة غيّرت حسابات القائد الفرنسي.

زر الذهاب إلى الأعلى