العنف الأسري.. عندما يتحول البيت من مكان للأمان إلى مصدر للخوف
بقلم: دعاء شعبان
البيت هو المكان الذي يفترض أن نعود إليه عندما نتعب، وأن نشعر داخله بالأمان مهما كانت قسوة الحياة خارج جدرانه.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح مصدر الخوف موجودًا داخل البيت نفسه؟
هنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية: العنف الأسري.
عندما يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية
العنف الأسري لا يعني الضرب فقط.
قد يكون صراخًا مستمرًا، أو إهانة، أو تهديدًا، أو تحقيرًا، أو تحكمًا شديدًا في حياة أحد أفراد الأسرة، أو حرمانًا من احتياجات أساسية، أو اعتداءً جسديًا.
وفي بعض البيوت، يتكرر هذا السلوك حتى يصبح جزءًا من الحياة اليومية، فيتعلم الطفل أن الصراخ طبيعي، وأن الخوف من أحد أفراد أسرته أمر يجب أن يتعايش معه.
لكن الاعتياد على العنف لا يجعله طبيعيًا.
“أنا بربيه”
من أكثر العبارات التي تُستخدم أحيانًا لتبرير القسوة:
“أنا بضربه علشان أربيه.”
لكن التربية لا تعني أن يتحول الطفل إلى شخص يخاف من والديه بدلًا من أن يثق بهما.
وضع الحدود للأطفال أمر ضروري، لكن هناك فرق كبير بين الحزم وبين الإهانة والعنف.
فالطفل الذي يتعرض للعنف قد يتعلم الطاعة خوفًا من العقاب، لكنه لا يتعلم بالضرورة لماذا كان السلوك خاطئًا أو كيف يتصرف بطريقة أفضل.
العنف لا يختفي بمجرد انتهاء الموقف
قد تنتهي المشاجرة، ويتوقف الصراخ، وتُغلق الأبواب…
لكن أثر الموقف قد يظل موجودًا.
كلمة جارحة قد يظل الطفل يتذكرها لسنوات، وموقف عنيف قد يؤثر في علاقته بأسرته وبالآخرين، وقد يجعل بعض أفراد الأسرة أكثر خوفًا من التعبير عن مشاعرهم أو طلب المساعدة.
ولهذا فإن خطورة العنف لا تقاس فقط بما يحدث في لحظته، وإنما أيضًا بما يتركه وراءه.
الأطفال ليسوا طرفًا في صراعات الكبار
عندما تحدث الخلافات الزوجية، قد يجد الأطفال أنفسهم في المنتصف.
أحيانًا يسمعون الشتائم، ويرون العنف، أو يُطلب منهم اختيار طرف على حساب الآخر.
والطفل في النهاية ليس مسؤولًا عن الخلاف بين والديه.
من حقه أن يعيش في بيئة يشعر فيها بالأمان، وأن يعرف أن مشاكل الكبار ليست ذنبه.
لماذا يصمت البعض؟
الخوف من الفضيحة، أو الاعتماد المادي، أو الخوف من فقدان الأسرة، أو الاعتقاد بأن الأمور ستتحسن، كلها أسباب قد تجعل الشخص المتعرض للعنف يصمت.
وقد يزيد الأمر صعوبة عندما لا يجد الشخص من يستمع إليه دون لوم أو اتهام.
لذلك، التعامل مع العنف الأسري يحتاج إلى وعي ودعم، وليس إلى زيادة الضغط على الشخص الذي يتعرض له.
تغيير ثقافة “العنف تربية”
نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في بعض الموروثات الاجتماعية التي تخلط بين التربية والعقاب، وبين الحزم والعنف.
التربية الحقيقية لا تحتاج إلى إذلال الطفل حتى يتعلم.
والخلاف بين الزوجين لا يحتاج إلى تهديد أو اعتداء حتى يُحسم.
والقوة داخل الأسرة لا يجب أن تُقاس بقدرة شخص على إخافة الآخرين.
في النهاية…
البيت ليس مجرد جدران وسقف.
البيت شعور.
شعور بأنك تستطيع أن تخطئ دون أن تُهان، وأن تتحدث دون أن تخاف، وأن تطلب المساعدة دون أن تُعاقب.
ولذلك، عندما يتحول البيت إلى مصدر خوف، فالمشكلة لا تكون في “خلاف عائلي عابر”، وإنما في بيئة تحتاج إلى تدخل ووعي ودعم.
أطفالنا لا يحتاجون إلى أهل يخافونهم… بل إلى أهل يشعرون معهم بالأمان.
وكلما تعلم المجتمع أن العنف ليس وسيلة للتربية أو حل الخلافات، اقتربنا خطوة من بيوت أكثر أمانًا، وأجيال تعرف أن الاحترام لا يحتاج إلى خوف.








