القنبلة المائية: ماذا يحدث لو انهار سد النهضة الإثيوبي؟
بقلم :عبد العظيم كحيل -أبو – بلال طرابلس لبنان
لم تعد تحذيرات خبراء الجيولوجيا والسدود حول العالم مجرد فرضيات نظرية أو سيناريوهات سينمائية، بل تحولت إلى واقع مرعب شهده العالم مؤخراً في الكوارث المأساوية لانهيارات السدود في النيبال. هذه الأحداث المتلاحقة، والتي تسببت فيها التغيرات المناخية الحادة والنشاط الزلزالي، وجّهت أنظار المراقبين والمثقفين العرب بقوة نحو واحدة من أخطر بؤر القلق المائي في العالم: سد النهضة الإثيوبي. إن ما حدث في قمة جبال الهيمالايا يفرض علينا طرح السؤال المصيري والحرج: ماذا لو تكرر سيناريو النيبال في إفريقيا؟ وماذا سيحدث لدول المصب، السودان ومصر، في حال تعرض هذا السد الضخم للانهيار؟
تُصنف هذه الكارثة المحتملة، والتي يصفها خبراء المياه بأنها “قنبلة هيدرولوجية موقوتة”، تحت 3 أسباب رئيسية تضع السد في دائرة الخطر:
الضربات العسكرية الاستهدافية: في حال اندلاع نزاع مسلّح مباشر وتعرّض السد لقصف صاروخي أو جوي مركز يضرب جدار السد الخرساني الرئيسي.
الكوارث الطبيعية (الزلازل):
يقع السد بالقرب من “الأخدود الأفريقي العظيم”، وهي منطقة نشطة زلزالياً ومعرضة لهزات أرضية عنيفة قد تفوق قدرة السد الإنشائية.
الأخطاء التصميمية والجيولوجية: تزايدت تحذيرات علماء الجيولوجيا من وجود عيوب في طبيعة الصخور الحاملة للسد وهبوط جزئي في التربة، مما قد يؤدي لشقوق تصدّع البناء تحت ضغط المياه الهائل.
إذا تحقق أحد هذه السيناريوهات، فإن 74 مليار متر مكعب من المياه ستندفع دفعة واحدة من الهضبة الإثيوبية المرتفعة نحو الشمال. فما هو مصير السودان ومصر؟
السودان: نقطة الاصطدام الأولى والضحية الأكبر
بسبب قربه الجغرافي (15 كيلومتراً فقط من الحدود}◇، سيكون السودان في مواجهة مباشرة مع الطوفان خلال دقائق معدودة، حيث ستحدث كارثة متسلسلة تشبه سقوط أحجار الدومينو:
انهيار السدود السودانية: موجة الفيضان ستجرف في طريقها فوراً سد الروصيرص ثم سد سنار وصولاً إلى سد مروي، لتتحول سعة الفيضان التدميرية إلى كتل مائية مضاعفة محملة بالأنقاض والركام الخرساني.
غرق العاصمة الخرطوم: ستصل المياه إلى الخرطوم كجدار مائي بارتفاع يتجاوز 10 أمتار، مما يؤدي لغرق الأحياء المتاخمة للنهر، وانتقاع تام للكهرباء والمياه، وتدمير مشروع الجزيرة الزراعي العملاق الذي يمثل سلة غذاء البلاد. يُقدر الخبراء أن هذه الكارثة قد تهدد حياة ونزوح نحو 20 مليون مواطن سوداني.
القاهرة والدلتا: بين صدمة الطوفان وشبكات الأمان الهندسية
بعد اجتياح السودان، ستتحرك المليارات المائية نحو الحدود المصرية. هنا ينقسم المشهد إلى سيناريوهين يعتمدان على عبقرية الإدارة الهندسية:
السيناريو الأقصى (في حال فشل الدفاعات):
إذا كانت بحيرة ناصر ممتلئة بالكامل وعجزت المنظومة عن تصريف المياه، سيشكل ذلك ضغطاً غير مسبوق على السد العالي. إذا حدث مكروه لجسم السد العالي، ستتحرك المياه كأمواج تسونامي نهرية لتغرق محافظات الصعيد بالكامل وتصل إلى القاهرة الكبرى. في هذا الوضع، ستغرق أحياء القاهرة المنخفضة ◇{مثل بولاق والزمالك والمعادي}◇، وتتوقف محطات الشرب، وتُباد منطقة الدلتا رأس النيل}◇ تماماً.
السيناريو الواقعي ◇{كيف تحمي مصر نفسها؟}◇:
لحسن الحظ، الدولة المصرية لم تقف مكتوفة الأيدي؛ بل أنشأت “خطوط دفاع استباقية” صُممت خصيصاً لمفاجآت بهذه الضخامة:
بحيرة ناصر: تعمل كإسفنجة عملاقة لامتصاص قوة الصدمة الأولى وتشتيت اندفاع المياه.
مفيض توشكى المطور: هو صمام الأمان الأهم. بمجرد ارتفاع المياه في البحيرة، تتدفق المليارات الزائدة تلقائياً بفعل الجاذبية نحو قنوات توشكى التي قامت الدولة بتوسيعها مؤخراً بتفجير الممرات الجبلية، لتوجه المياه إلى عمق الصحراء الغربية بعيداً عن وادي النيل المخنوق.
النهر الجديد والدلتا الجديدة: مشروعات السحّارات ومحطات المعالجة العملاقة التي أنشأتها مصر مؤخراً تتيح لها سحب كميات هائلة من المياه وتوزيعها في شبكات ري الصحراء، مما يضمن تقليل المنسوب الذي يصل إلى قلب القاهرة والدلتا إلى مستويات آمنة، تقتصر أضرارها على غرق بعض الجزر النيلية الصغيرة أو الكورنيش فقط، دون المساس بحياة الملايين.
خلاصة القول
انهيار سد النهضة هو كارثة إنسانية وبيئية مطلقة للسودان الذي يفتقر لمصدات مائية طبيعية. أما بالنسبة لمصر، فالأمر يمثل اختباراً هندسياً هو الأعنف في تاريخها الحديث، وتظل مشاريع “توشكى والنهر الجديد وبحيرة ناصر” هي حائط الصد الحقيقي الذي يفصل بين نجاة القاهرة والدلتا أو الغرق الشامل.







