حين أصبح بيبرس هو الدولة
بقلم / محمد مصطفى كامل
الرجل الذي لم يكتفِ بإيقاف العاصفة، بل بدأ في بناء الدولة التي تستطيع مواجهتها
في المقال السابق،
رأينا العاصفة تنكسر.
لم تسقط إمبراطورية المغول.
ولم ينتهِ وجود الصليبيين.
لكن شيئًا تغير إلى الأبد.
ففي عين جالوت، اكتشفت جيوش المشرق أن المغول، الذين بدوا وكأنهم لا يُهزمون، يمكن أن يُهزموا.
ثم عاد الجيش إلى مصر.
ومات قطز.
وصعد إلى العرش رجل كان قد عرف الحرب قبل أن يعرف السلطنة.
اسمه:
الظاهر بيبرس.
لكن بيبرس لم يرث دولة مستقرة.
لقد ورث دولة خرجت من معركة عظيمة وهي لا تزال محاطة بالأخطار.
المغول في الشرق.
الصليبيون على الساحل.
الأمراء في الداخل.
وبقايا الصراع الأيوبي في الشام.
وفي الخلفية سؤال أخطر:
هل تستطيع الدولة المملوكية أن تعيش؟
أم أن عين جالوت ستكون مجرد انتصار عابر؟
هنا،بدأ بيبرس في الإجابة.
ولم تكن إجابته خطابًا.
كانت دولة.
لم يكن يريد أن ينتصر مرة أخرى
كان بإمكان بيبرس أن يعيش على مجد عين جالوت.
كان يستطيع أن يقول لقد هزمنا المغول.
لكن الرجل كان يعرف أن المغول لم ينتهوا.
ولهذا لم يكن يفكر في المعركة القادمة فقط.
كان يفكر في كيف نجعل الدولة مستعدة قبل أن تبدأ المعركة؟
وهذه هي النقطة التي تميز بيبرس عن كثير من القادة الذين سبقوه.
فالقائد قد ينتصر في معركة.
أما رجل الدولة،فيبني النظام الذي يجعل الانتصار ممكنًا مرة أخرى.
ولهذا بدأ بيبرس بإعادة تنظيم القوة العسكرية المملوكية.
لم يعد الجيش مجرد تجمع من المحاربين.
بدأت تظهر له مراتب وتنظيمات أوضح، وربطت مراتب الأمراء بحجم القوات التي يتولون قيادتها، وأصبح الجيش أكثر انتظامًا وتدريبًا وانضباطًا.
وتشير الدراسات المتعلقة بالنظام العسكري المملوكي إلى أن إصلاحات بيبرس ساعدت في تحويل القوة المملوكية من تجمع عسكري مضطرب إلى مؤسسة أكثر انتظامًا.
كان يعرف:
جيش بلا نظام قد ينتصر مرة.
لكن جيشًا منظمًا،يمكن أن يصنع عصرًا.
لم يترك السيف وحده يحكم
وهنا تظهر واحدة من أهم أسرار بيبرس.
فالدولة لا تحيا بالجيش وحده.
تحتاج إلى قضاء.
وإدارة.
وأموال.
ومعلومات.
واتصالات.
وطرق.
ومؤسسات.
ولهذا لم يكن بيبرس سلطان معسكر فقط.
كان يعمل على بناء جهاز دولة يستطيع أن يتحرك حتى في زمن الحرب.
وفي سنة 1263م اتخذ خطوة مهمة في تنظيم القضاء، فعُيّن قضاة كبار يمثلون المذاهب السنية الأربعة في مصر، ثم امتد هذا التنظيم إلى الشام.
ولم يكن الأمر مجرد ترتيب ديني.
كان جزءًا من بناء نظام قانوني وإداري أكثر انتظامًا في دولة تتوسع باستمرار.
لقد فهم بيبرس أن السلطان الذي يملك جيشًا ولا يملك نظامًا، يملك قوة مؤقتة.
أما السلطان الذي يجعل القوة جزءًا من مؤسسات الدولة،فقد صنع شيئًا أبقى من عمره.
عين الدولة التي لا تنام
لكن هناك مشكلة.
كيف يحكم سلطان مصر بلادًا تمتد من القاهرة إلى دمشق؟
كيف يعرف ما يحدث على الحدود؟
كيف يعرف تحركات المغول؟
كيف يعرف أخبار الأمراء؟
كيف تصل أوامره؟
وكيف تصل الأخبار إليه قبل أن تتحول المشكلة إلى كارثة؟
الإجابة كانت:
البريد.
أعاد بيبرس تنظيم شبكة البريد بصورة واسعة.
وأصبحت طرق الاتصال تربط القاهرة ببلاد الشام، وتصل إلى المناطق القريبة من حدود المغول.
ولم يكن البريد مجرد رسائل.
كان وسيلة استخبارات.
كانت الأخبار العسكرية تنتقل بسرعة، وكانت الدولة تراقب حركة الخصوم.
وتذكر الدراسات المتخصصة أن شبكة البريد في عهد بيبرس شملت طرقًا بين القاهرة وغزة وبعلبك ودمشق، ثم امتدت إلى مناطق الفرات، وأنها اعتمدت على وسائل متعددة للاتصال ونقل المعلومات.
تخيلوا دولة في القرن السابع الهجري
لا تملك وسائل الاتصال الحديثة.
ومع ذلك تحاول أن تجعل الخبر يتحرك بسرعة بين القاهرة ودمشق والحدود الشرقية.
لم يكن بيبرس يبني شبكة رسائل.
كان يبني عينًا للدولة.
الخبر قبل السيف
كان بيبرس يعرف أن الجيش الذي يصل بعد فوات الأوان قد يخسر الحرب قبل أن يخرج من معسكره.
لذلك أصبحت المعلومة جزءًا من المعركة.
فرسان.
حمام زاجل.
إشارات.
محطات بريد.
مخبرون.
ورجال يتابعون أخبار العدو.
وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن نظام البريد في عهده كان يؤدي أيضًا وظيفة استخباراتية، وأن بيبرس كان يتابع هذه المعلومات عن قرب.
وهنا نفهم عنوان المقال بصورة أعمق.
لم يصبح بيبرس هو الدولة لأنه كان أقوى رجل فيها فقط.
بل لأنه بدأ يجعل الجيش يتحرك بأمر الدولة،
والخبر يصل إلى الدولة،
والقضاء يعمل باسم الدولة،
والسلطة المركزية تراقب أطراف الدولة.
ثم نظر إلى الشرق
كان المغول ينتظرون.
لم تكن عين جالوت قد أنهت الخطر.
كانت الدولة الإيلخانية قد استقرت في العراق وبلاد فارس وأجزاء من الأناضول.
وكان المماليك يعرفون أن أي ضعف في الشام قد يعيد الجيوش المغولية إلى دمشق.
ولهذا أصبحت بلاد الشام خط الدفاع الأول عن مصر.
وهنا ظهر أحد أهم قرارات بيبرس،
مصر والشام يجب أن تكونا دولة واحدة في الحرب.
فلا معنى لقوة القاهرة إذا سقطت دمشق.
ولا معنى لقوة دمشق إذا أصبحت القاهرة معزولة.
ومن هنا أخذ بيبرس يعمل على إحكام سيطرته على الشام وتثبيت الحكم المملوكي فيها.
وبذلك أصبحت الدولة المملوكية قوة إقليمية تمتلك عمقًا استراتيجيًا أكبر.
لم ينتظر المغول دائمًا
بيبرس لم يكن سلطانًا دفاعيًا.
كان يؤمن بأن انتظار العدو عند حدودك يمنحه أفضلية.
ولهذا شن حملات ضد القوى المرتبطة بالمغول، واستمر الصراع بين المماليك والإيلخانيين خلال عهده.
وفي الوقت نفسه استخدم السياسة.
ففي العالم المغولي نفسه كانت هناك قوى متنافسة.
وكان بيبرس يحاول إقامة علاقات مع خصوم الإيلخانيين، ومن أهمها علاقاته مع حكام القبيلة الذهبية.
وهكذا لم يكن السلاح وحده هو الذي يحارب المغول.
أحيانًا كانت السياسة تحاربهم قبل أن يتحرك الجيش.
وعلى الساحل كان عدو آخر
لكن بيبرس لم يكن يستطيع أن يوجه كل قوته إلى الشرق.
لأن البحر لم يكن هادئًا.
على الساحل الشامي بقيت الإمارات الصليبية.
عكا.
طرابلس.
صور.
وقلاع ومراكز عسكرية أخرى.
وكان بيبرس يدرك أن وجود هذه المراكز يعني احتمال وصول المساعدات الأوروبية في أي وقت.
بل إن بقاءها كان يمثل خطرًا استراتيجيًا إذا تزامن مع ضغط مغولي من الشرق.
ولهذا بدأ يضرب الوجود الصليبي تدريجيًا.
لم يكن يريد معركة واحدة.
كان يريد تفكيك الساحل.
صفد
في سنة 1266م سقطت صفد.
وكان سقوطها مهمًا لأنها كانت من المواقع الاستراتيجية في الجليل.
لم يكن الهدف مجرد الاستيلاء على قلعة.
كان بيبرس يضيق المساحة أمام خصمه.
قلعة بعد قلعة.
ومدينة بعد مدينة.
حتى بدأ الساحل الصليبي يفقد عمقه.
وهكذا كانت الحرب تتحول من كيف نحمي مصر؟
إلى كيف نطرد الخطر بعيدًا عن مصر؟
وهذا تحول ضخم في التفكير الاستراتيجي.
ثم جاء دور أنطاكية
وفي سنة 1268م تحرك بيبرس نحو أنطاكية.
كانت أنطاكية واحدة من أهم مراكز الوجود الصليبي في المشرق.
وسقوطها كان ضربة ضخمة لإمارة أنطاكية.
لم يكن ذلك مجرد انتصار عسكري.
كان تغييرًا في ميزان القوى.
لقد بدأت إحدى أهم القوى الصليبية في المشرق تفقد مكانتها.
وكان بيبرس يرسل رسالة واضحة .
الزمن الذي كان فيه الصليبيون يوسعون حدودهم انتهى.
الآن هم الذين يتراجعون.
لكن بيبرس لم يكن ملاكًا
وهنا يجب ألا نكتب التاريخ بعين المنتصر وحده.
بيبرس كان قائدًا عظيمًا في نظر دولته.
لكنه كان أيضًا رجل حرب في عصر قاسٍ.
وحملاته لم تكن خالية من القتل والدمار.
وسقوط المدن في الحروب الوسيطة كان يعني أحيانًا كارثة على السكان.
ولهذا فإن صورة بيبرس يجب ألا تكون صورة البطل الأسطوري الذي لا يخطئ.
بل صورة رجل دولة شديد الصلابة…
استعمل القوة بلا تردد عندما رأى أن بقاء دولته يتطلب ذلك.
وهذا ما يجعل دراسة شخصيته أكثر تعقيدًا.
وأكثر إثارة.
الدولة تحتاج إلى شرعية
لكن بقي سؤال !!!
من أين يستمد بيبرس شرعيته؟
فهو ليس من بيت الخلافة.
وليس وريثًا لسلالة ملكية قديمة.
والمماليك أنفسهم وصلوا إلى السلطة عبر الانقلاب العسكري على النظام الأيوبي.
ولهذا كان يحتاج إلى شيء يتجاوز السيف.
وهنا نفهم ما حدث في المقال السابق،
عودة الخلافة العباسية إلى القاهرة.
استقدم بيبرس أحد أبناء البيت العباسي.
وأقيمت له مراسم الخلافة سنة 1261م.
لكن الخلافة لم تعد كما كانت في بغداد.
فالسلطة الفعلية كانت للسلطان.
أما الخليفة فكان يحمل قيمة رمزية ودينية وسياسية.
وبذلك حصل بيبرس على ما يحتاجه ،
قوة السلطان، ورمز الخلافة.
بيبرس يبني القاهرة الجديدة
ولم تكن القاهرة مجرد مقر للحكم.
كانت تتحول تدريجيًا إلى قلب العالم الإسلامي السني في المشرق.
بغداد سقطت.
ودمشق أصبحت تحت سلطة المماليك.
والحجاز يرتبط سياسيًا بمصر والشام.
والخلافة العباسية أصبحت في القاهرة.
وفي الوقت نفسه كانت الجيوش المملوكية تحارب المغول والصليبيين.
وهكذا أصبحت القاهرة مركزًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا بالغ الأهمية.
لكن بيبرس لم يكتفِ بالرمزية.
كان يبني أيضًا.
مساجد.
مدارس.
منشآت.
تحصينات.
طرقًا.
وجسورًا.
وأعمالًا عمرانية.
وتذكر المصادر والدراسات أعمالًا متعددة أمر بها في القاهرة والإسكندرية وبلاد الشام.
فالدولة التي تحارب تحتاج إلى مدينة تستطيع أن تعيش.
بيبرس في القاهرة ليلًا
وتروي المصادر المملوكية أخبارًا عن اهتمامه المباشر بأحوال الناس ومراقبة بعض مظاهر الفساد.
ومن الروايات اللافتة أن المصادر تذكر خروجه ليلًا متخفيًا ليتفقد أحوال القاهرة.
سواء نظرنا إلى هذه الروايات باعتبارها صورة مثالية رسمها المؤرخون للسلطان العادل، أو باعتبارها تعكس جانبًا حقيقيًا من سلوكه، فإنها تكشف شيئًا مهمًا عن الصورة التي أراد بيبرس أن يقدمها عن نفسه .
سلطان لا يعيش خلف الجدران فقط.
بل يعرف ماذا يحدث في مدينته.
وتذكر دراسة حديثة، اعتمادًا على ابن عبد الظاهر وابن تغري بردي والمقريزي وغيرهم، عددًا من هذه الأخبار المتعلقة بممارسة بيبرس للرقابة والقضاء وأعمال الرعاية.
لكنه كان يعرف أيضًا أن الأمراء أخطر من أن يُتركوا
بيبرس نفسه كان واحدًا من كبار المماليك.
وكان يعرف طبيعة النظام الذي يحكمه.
فالأمير القوي يستطيع أن يصبح سلطانًا.
والجيش الذي يحمي العرش يمكن أن يخلع صاحبه.
لذلك عمل على موازنة القوى بين الأمراء، وإعادة ترتيب الجيش، وربط المراتب العسكرية بنظام أكثر وضوحًا.
لم يكن يريد أن يسمح لأي أمير بأن يصبح دولة داخل الدولة.
وهنا تظهر واحدة من أهم معادلات الحكم المملوكي:
السلطان يحتاج إلى الأمراء.
لكن السلطان يخاف من الأمراء.
وكان عليه أن يحكم بين الحاجتين.
من المملوك إلى السلطان
وهنا تعود بنا القصة إلى بدايتها.
الرجل الذي دخل العالم الإسلامي مملوكًا أصبح سلطانًا.
والرجل الذي لم يولد أميرًا أصبح من أقوى حكام عصره.
لكن الأهم أنه لم يعد يفكر كمملوك يبحث عن مكانه.
بل أصبح يفكر كرجل يريد أن يجعل الدولة نفسها مرتبطة بمشروعه.
ولهذا كان بيبرس مختلفًا.
فهو لم يكن يريد أن ينتصر فقط.
كان يريد أن ،،
يحكم.
وينظم.
ويراقب.
ويبني.
ويحارب.
ويتفاوض.
ويؤسس.
ويترك وراءه نظامًا يستطيع أن يقاوم.
وفي النهاية لم يعش بيبرس طويلًا بعد أن وصل إلى ذروة قوته.
توفي سنة 1277م.
لكن السؤال الحقيقي ليس ،
كيف مات بيبرس؟
بل ،
ماذا بقي بعد بيبرس؟
إذا كان الرجل قد بنى دولة حول شخصه فقط،،
فإن الدولة ستسقط بموته.
أما إذا كان قد بنى مؤسسات،فإن الدولة ستستمر.
وهنا تبدأ قيمة الرجل الحقيقية.
فقد جاء بعده سلاطين.
وتغيرت الوجوه.
واختلفت الصراعات.
لكن الدولة المملوكية بقيت.
واستمر المماليك في مواجهة المغول.
واستمروا في الضغط على بقايا الوجود الصليبي.
حتى جاءت مرحلة لاحقة ستسقط فيها عكا نفسها سنة 1291م، في عهد الأشرف خليل.
لكننا لم نصل إلى تلك اللحظة بعد.
فبيبرس وضع جزءًا كبيرًا من الطريق.
من وراء الستار ،،،
هناك فرق بين رجل ينتصر،ورجل يجعل الانتصار بداية لعصر.
قطز كان رجل اللحظة.
وقف أمام المغول في عين جالوت.
أما بيبرس،،،
فكان رجل المرحلة.
لم يقل هزمنا المغول.
بل سأل ،،،،
كيف نمنع عودتهم؟
ولم يقل لدينا جيش.
بل سأل،،،،
كيف أجعل الجيش مؤسسة؟
ولم يقل لدينا القاهرة ودمشق.
بل سأل،،،،
كيف أجعلهما جزءًا من دولة واحدة؟
ولم يقل لدينا سلطان.
بل سأل،،،،
كيف أصنع شرعية تحمي السلطان؟
ولم يقل وصلتني الأخبار.
بل سأل،،،،
كيف أجعل الخبر يصل قبل العدو؟
وهنا لم يعد بيبرس مجرد سلطان.
لقد أصبح جزءًا من بنية الدولة نفسها.
ولهذا استحق عنواننا،،،
حين أصبح بيبرس هو الدولة
لكن التاريخ لا يتوقف عند الرجال.
فبعد بيبرس،سيأتي رجال آخرون.
وسيتحول المماليك من دولة تدافع عن مصر والشام،إلى قوة ستدفع الصليبيين نهائيًا نحو البحر.
وسنصل إلى رجل سيكمل الطريق الذي بدأه بيبرس.
رجل اسمه،،
قلاوون.
وهناك،ستبدأ قصة أخرى.
حين ورث قلاوون دولة بيبرس، واكتشف أن أخطر ما في الدولة ليس عدوها خارج الأسوار، بل الصراع الذي يمكن أن يولد داخلها.








