حين تَأتي السعادةُ بصمت…روقانٌ وقَهوة وعِناقٌ لِلنَّفس.
مي جوهر تكتب
لقد كذبوا علينا حين رسموا لنا السعادة كنهايةٍ لفيلمٍ درامي، أو كجائزةٍ كبرى ننتظرها في نهاية الطريق الطويل. لطالما ركضنا خلفها نظن أنها تختبئ في قمم الجبال، أو في ضجيج الإنجازات، أو في عيون الآخرين.
كم مرة توقفنا لنسأل أنفسنا بمرارة: أين هي؟ وكم مرة غفلنا عن أنها كانت تجلس بجانبنا طوال هذا الوقت، تنتظرنا في زحمة يومنا، لا تطلب إلا لحظةَ صمت.
لقد غفلنا عن حقيقة بسيطة وجميلة: السعادة ليست ضجّة، بل هي هدوء. وتأتيك السعادة أحيانًا على هيئة روقان، بالٍ مرتاح، وكُوب قهوة، وشعور مليان رضى، تجاه نفسك.
في هذه الكلمات، تختصر الحياة كلها. إنها ليست معادلة رياضية معقدة، بل هي حالة روحية تتسلل إليك على أطراف أصابعها في لحظة صفاء. أما الروقان والبال المرتاح فهو ذلك الانتصار الصامت الذي تحققه على فوضى العالم.
أن تستيقظ في صباح لا يحمل لك مفاجآت مزعجة، أن ينزاح عن كاهلك ثقل التفكير في ما مضى، والخوف مما سيأتي.
البال المرتاح هو الملاذ، حين تتوقف الحروب الداخلية في رأسك، ويحل السلام في أركان روحك، لتدرك أن لا شيء يستحق أن يسرق طمأنينتك.
وأما كوب القهوة…. فهو ليس مجرد مشروب ساخن نرتشفه لنتغلب على النعاس، بل هو طقس روحي، وزر إيقاف مؤقت لعجلة الزمن.
حين تضم الكوب بيديك لتستدفئ بدفئه، وتستنشق رائحته التي تعيد ترتيب حواسك، أنت لا تشرب القهوة فحسب، بل تشرب اللحظة. تشرب الصمت، وتشرب الأمان، وتشرب حقك في أن تتنفس بعمق دون أن يلاحقك أحد.
ولكن أجمل ما في هذه المعادلة هو شطرها الأخير شعور مليان رضى تجاه نفسك. فهذه هي السعادة التي لا تُشترى، ولا تُوهب، بل تُصنع من داخلنا، هي تلك المصالحة التاريخية التي تعقدها مع ذاتك.
أن تنظر في المرآة فترى إنساناً بكل عيوبه وهفواته، ورغم ذلك تبتسم له وتقول: لقد بذلت قصارى جهدك، وأنا فخور بك.
اعلموا أعزائي القراء أن الرضى عن النفس هو أن تتسامح مع النسخة السابقة منك، وأن تحتضن جراحك، وتتقبل أن رحلتك كانت شاقة، لكنك ما زلت واقفاً.
أيها العابر في هذه الحياة بين ضجيج وقلق.. لا تنتظر السعادة حتى تتغير الظروف، أو حتى تنتهي المشكلات، فالعمر أقصر من أن نقضيه في انتظار الوقت المثالي.
اصنع سعادتك في التفاصيل. في روقانٍ يسبق ضجة الصباح. في بالٍ مرتاحٍ يتسامح مع الزلات. في كوب قهوةٍ يحتضن كفيك.
وفي قلبٍ يملأه الرضى، ليهمس لك: أنت بخير، والحياة بخير، وكل شيءٍ في وقته المناسب.








