لم تكن مقاومة المصريين للحملة الفرنسية مجرد معارك كبرى قادتها الجيوش، بل كانت حكاية شعب قرر ألا يستسلم، فخرجت المقاومة من المدن والقرى والبيوت، وشارك فيها الفلاحون والرجال والنساء، وامتدت من القاهرة إلى الدلتا والصعيد.
وفي قلب هذه الصفحات تقف محافظة المنوفية، شاهدة على وقائع مقاومة تستحق أن تُروى للأجيال، وأن تُدرس بعيدًا عن المبالغة أو النسيان.
الحملة الفرنسية.. بداية المواجهة
في عام 1798م وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر، واحتلت الإسكندرية، ثم انتصرت في معركة إمبابة ودخلت القاهرة.
لكن السيطرة العسكرية لم تكن تعني قبول المصريين بالحكم الفرنسي؛ فقد واجهت الحملة رفضًا شعبيًا متصاعدًا بسبب إجراءاتها، ومن بينها فرض الضرائب والغرامات، ومصادرة الخيول والأسلحة، واحتجاز بعض الأعيان رهائن لإجبار القرى على تنفيذ الأوامر.
وامتدت المقاومة إلى مناطق متعددة من الوجه البحري، ولم تكن المنوفية بعيدة عن هذه المواجهة.
غمرين وتتا.. انتفاضة أهل القريتين
في 13 أغسطس 1798م، وأثناء تحرك القوات الفرنسية من منوف باتجاه الغربية، اصطدمت بقريتي غمرين وتتا.
رفض الأهالي فتح أبواب قراهم للقوات الفرنسية، وحملوا السلاح دفاعًا عن بيوتهم وأرضهم. وحاول الجنرال فوجيير إخضاع القريتين، لكنه لم يتمكن من ذلك بقواته وحدها، فطلب المساعدة من الجنرال زايونشك الموجود في منوف.
وصلت التعزيزات الفرنسية، واندلع القتال، واشتدت المواجهة داخل شوارع غمرين على وجه الخصوص.
وتنقل المصادر التاريخية شهادة منسوبة إلى ضابط فرنسي يُدعى فيروس، ذكر فيها أن القوات اقتحمت غمرين بعد قتال استمر ساعتين، وأن عدد القتلى من الأهالي بلغ، بحسب روايته، ما بين أربعمائة وخمسمائة شخص، بينهم نساء شاركن في مقاومة الجنود.
وهنا تظهر دلالة مهمة: لم تكن المرأة المصرية بعيدة عن الدفاع عن أرضها، بل شاركت في المواجهة، وفقًا للشهادة الفرنسية التي نقلتها المصادر التاريخية.
أبو شعير.. مقاومة أخرى في كفر عشما
لم تكن غمرين وتتا الواقعة الوحيدة في تاريخ المنوفية أثناء الحملة الفرنسية.
ففي كفر عشما برز اسم أبو شعير، الذي ارتبطت به مقاومة القوات الفرنسية في المنطقة، واتخذ من نفوذه وممتلكاته قاعدة لنشاطه ضدها.
وتذكر الروايات التاريخية أن الفرنسيين أرسلوا حملة بقيادة الجنرال لانوس لمواجهته، وانتهت المواجهة بمقتله ومقتل عدد من أفراد أسرته.
وتحمل هذه الواقعة جانبًا آخر من تاريخ المقاومة، وهو دور القيادات المحلية التي سخّرت نفوذها وإمكاناتها لمواجهة الاحتلال.
من المنوفية إلى الدلتا.. مقاومة لم تكن معزولة
كانت المنوفية جزءًا من حركة مقاومة أوسع شملت مناطق كثيرة من مصر.
فقد شهدت طنطا اضطرابات ورفضًا للضرائب والغرامات، كما امتدت المواجهات إلى قرى ومدن أخرى في الدلتا، وواجهت القوات الفرنسية مقاومة في مناطق من الغربية والشرقية والدقهلية ودمياط والبحيرة.
ولم تكن هذه التحركات دائمًا معارك منظمة بين جيشين؛ بل اتخذت أشكالًا متعددة، من رفض تنفيذ الأوامر، إلى قطع طرق الإمداد، ومهاجمة القوات، وإخفاء السلاح، ومساندة المقاومين.
المرأة المصرية.. حضور في قلب المقاومة
من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها مشاركة النساء في مقاومة غمرين وتتا.
فشهادة الضابط الفرنسي المنقولة في المصادر تشير صراحة إلى وجود نساء شاركن في مهاجمة الجنود. وهذه الشهادة، رغم أنها صادرة عن طرف مشارك في الحملة وليست سجلًا محايدًا، تظل شاهدًا تاريخيًا مهمًا على حضور المرأة في المواجهة.
إن تاريخ المقاومة لا يُكتب بأسماء القادة وحدهم، بل أيضًا بأسماء الناس الذين دافعوا عن بيوتهم وأسرهم وقراهم.
من الثورة الأولى إلى نهاية الحملة
لم تتوقف المقاومة المصرية عند أحداث المنوفية؛ فقد شهدت القاهرة ثورتها الأولى سنة 1798، ثم ثورتها الثانية سنة 1800، إلى جانب انتفاضات ومواجهات في مناطق أخرى.
ومع استمرار الرفض الشعبي والضغوط العسكرية والسياسية، انتهى الوجود الفرنسي في مصر سنة 1801.
وهكذا لم تكن السنوات الثلاث مجرد فترة احتلال عسكري، بل مرحلة مهمة في تاريخ تشكل الوعي الوطني والمقاومة الشعبية المصرية.
لماذا يجب أن نعيد قراءة تاريخ المنوفية؟
إن الحديث عن غمرين وتتا وكفر عشما ليس مجرد استعادة لحكايات قديمة، بل هو دعوة إلى توثيق تاريخ القرى المصرية، والبحث في الوثائق والمخطوطات والسجلات، وجمع الروايات المحلية ومقارنتها بالمصادر المعاصرة للأحداث.
ومن حق أبناء المنوفية أن يعرفوا تاريخ قراهم، وأن تتاح للأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى الوقائع التي شهدتها أرضهم، لا من خلال الحكايات المتوارثة وحدها، بل من خلال بحث تاريخي موثق.
فالقرية التي قاومت لا ينبغي أن تُنسى، والمرأة التي دافعت عن بيتها لا ينبغي أن يُغفل دورها، والإنسان البسيط الذي وقف أمام جيش محتل يستحق أن يكون حاضرًا في ذاكرة وطنه.
إن غمرين وتتا وكفر عشما ليست مجرد أسماء على خريطة المنوفية، بل محطات تستحق البحث والتوثيق في تاريخ مصر الحديث.