مقالات

«زيارة السيدة العجوز» حين يتحول الجوع إلى شريكٍ في الجريمة

 

«زيارة السيدة العجوز» حين يتحول الجوع إلى شريكٍ في الجريمة

بقلم الكاتبة منى فتحي

هناك عروض مسرحية تُشاهد

وعروض أخرى تتركك بعد انتهائها وكأنك خرجت من محاكمة داخلية لا تخص أبطال العرض وحدهم، بل تخصك أنت أيضًا.

في «زيارة السيدة العجوز» لا يقف الجمهور أمام حكاية انتقام لامرأة عادت من الماضي، بل أمام مرآة قاسية يرى فيها الإنسان نفسه حين يضعه الاحتياج في مواجهة ضميره.

العرض لا يسأل: من القاتل؟

بل يسأل السؤال الأكثر رعبًا:

متى يبدأ الإنسان في تبرير سقوطه؟

وكم يبلغ ثمن الضمير حين يطول الجوع؟

منذ اللحظة الأولى، يدخل المتفرج إلى عالم يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه مدينة أنهكها الفقر، وجوه متعبة، وأرواح تنتظر معجزة تنقذها من الجوع، ثم تأتي «كلير» لا باعتبارها امرأة فقط، بل باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا كاملًا، تضع المال في كفة وتضع البشر في الكفة الأخرى.

في العرض المسرحي «زيارة السيدة العجوز» المأخوذ عن النص العالمي للكاتب السويسري فريدريش دورينمات، والمقدم على خشبة مركز الجيزة الثقافي، لا تبدو الحكاية مجرد امرأة عجوز تعود للانتقام من حبيب قديم خذلها، بل تبدو المدينة كلها وكأنها تُوضَع داخل مختبر نفسي هائل، لقياس سرعة سقوط البشر أمام المال.

 

العرض الذي قدمه المخرج عمرو حسان كشف عن مخرج يمتلك وعيًا بصريًا حقيقيًا، وقدرة لافتة على الانتقال بين الواقعي والخيالي بأبسط الحلول وأكثرها ذكاءً لم يعتمد على الإبهار الفارغ، بل صنع صورة تحمل دلالة، ومشهدًا يقول ما هو أبعد من الكلمات كل تكوين على الخشبة بدا محسوبًا بعناية، كأن العرض لا يتحرك فقط بالأداء، بل باللغة البصرية أيضًا.

منذ البداية تتشكل القرية أمامنا ككتل بشرية مضغوطة بالخوف والانتظار، قلق جماعي، ووجوه أنهكها الفقر على أحد الجانبين تقف البلدة بأهلها الجائعين، وعلى الجانب المقابل تتشكل علاقة الماضي بين «كلير» و«ألفريد إل» بينما تتوسط الخشبة محطة القطار، كأن المكان كله يعيش بين الهروب والانتظار.

 

هذه التكوينات لم تكن ديكورًا جامدًا، بل لغة موازية للنص.

فعندما يتحول التابوت إلى نبوءة، والسيارة إلى استعراض للقوة، ومشهد الرثاء إلى محاولة متأخرة لغسل الذنب، يدرك المتفرج أن عمرو حسان لا يصنع مشهدًا، بل يصنع دلالات تفسّر ما بين السطور.

الأكثر تميزًا في الرؤية الإخراجية، أن العرض لم يسقط في فخ تقديم «كلير» باعتبارها شريرة تقليدية بل ظهرت كامرأة محطمة، تحمل أطرافًا صناعية وقلبًا أكثر تكسرًا من جسدها، امرأة فقدت الحب والعدالة معًا، فعادت لتشتري العدالة بالمال. وهنا تكمن قسوة النص وعبقرية العرض فالمدينة لم تُجبَر على الجريمة، بل دخلتها تدريجيًا، خطوة بعد أخرى، بداية من الرغبة، ثم التبرير، ثم الصمت، وصولًا إلى المشاركة الكاملة.

وكان من أقوى لحظات العرض مشهد انهيار «كلير» أمام النعش، حيث سقط قناع الانتقام للحظة، وظهرت امرأة لا تزال تحمل بقايا عشق قديم، وكأن العرض يقول إن الانتقام لا يعيد ما انكسر، بل يمنح صاحبه وهم القوة فقط.

جاءت رضوى شريف بأداء شديد القوة والتمكن، لتقدم واحدة من أكثر شخصيات العرض تعقيدًا وإنسانية. استطاعت أن تخلق توازنًا مذهلًا بين القسوة والهشاشة، بين امرأة جاءت محملة بالرغبة في الانتقام، وبين قلب لا يزال يحتفظ ببقايا حب قديم لم يمت بالكامل.

رضوى لم تعتمد فقط على قوة الأداء الصوتي، بل امتلكت حضورًا مسرحيًا طاغيًا؛ كانت تدخل المشهد فيتغير إيقاع الخشبة بالكامل. نظراتها، طريقة وقوفها، بطء حركتها أحيانًا، ثم انفجارها المفاجئ في لحظات معينة، كلها كشفت عن ممثلة واعية بأدواتها، وقادرة على السيطرة على تفاصيل الشخصية من الداخل.

ومن بين كل هذا الزخم البصري والإنساني، يبرز اسم البطل سيف مرعي بوصفه أحد أهم أعمدة العرض وأكثرها حضورًا وتأثيرًا.

لم يكن أداؤه قائمًا على الانفعال المباشر أو المبالغة، بل على ذلك النوع الصعب من التمثيل الذي يجعلك تصدق الشخصية حتى في صمتها كان يتحرك فوق الخشبة وكأنه يحمل ثقل المدينة كلها فوق كتفيه، وكل خطوة له بدت محسوبة بدقة، لا باعتبارها حركة مسرحية، بل باعتبارها امتدادًا للحالة النفسية للشخصية.

امتلك سيف مرعي قدرة لافتة على التعبير الداخلي نظرة واحدة منه كانت كافية لتكشف خوف الشخصية، ارتباكها، ومحاولاتها البائسة للهروب من المصير الذي يقترب ببطء ومع تصاعد الأحداث، استطاع أن ينقل التحول النفسي للشخصية من الثقة إلى الانكسار، ومن الإنكار إلى الرعب، دون أن يفقد صدقه للحظة واحدة.

كان حاضرًا بطاقة ممثل يعرف جيدًا متى يصرخ، ومتى يكتفي بالصمت، ومتى يجعل جسده نفسه يتحدث بدلًا من الكلمات لذلك بدا أداؤه واقعيًا إلى درجة مؤلمة، وكأننا لا نشاهد ممثلًا يؤدي دورًا، بل إنسانًا يُسحَق تدريجيًا أمام أعيننا

والأجمل أن الكيمياء المسرحية بين رضوى وسيف بدت حقيقية ومؤلمة، فكل مواجهة بينهما لم تكن مجرد حوار، بل تاريخ كامل من الحب والخذلان والاحتياج والانكسار لذلك نجح الاثنان في تحويل العلاقة بين الشخصيتين من مجرد حكاية انتقام إلى مأساة إنسانية كاملة، تجعل الجمهور لا يراقب ما يحدث فقط، بل يشعر بثقله النفسي أيضًا

أما بصريًا، فقد قدم مهندس الديكور والملابس محمد فتحي عالمًا يحمل طابعًا غرائبيًا وإنسانيًا في الوقت نفسه تصميم محطة القطار في عمق المسرح، ومستويات البيوت والشرفات، والألوان التي سيطرت على فضاء العرض، كلها صنعت إحساسًا بمدينة تختنق ببطء تحت وطأة الحاجة حتى الملابس لم تكن مجرد أزياء، بل امتدادًا نفسيًا للشخصيات، خاصة في مشاهد الانتقال إلى الخيال أو الاستعراضات الجماعية.

وجاءت الاستعراضات التي صممتها ياسمين عسكر لتضيف إيقاعًا حركيًا ذكيًا، لم يكن منفصلًا عن الدراما، بل جزءًا من تصاعدها النفسي الحركة هنا لم تكن للزينة، بل كانت تعبيرًا عن الانهيار الجماعي التدريجي.

أما الموسيقى والألحان التي وضعها حازم الكفراوي، فقد لعبت دورًا أساسيًا في صناعة التوتر، ومنحت العرض نَفَسه الداخلي، خاصة مع الأشعار والدراماتورجيا التي قدمها أيمن النمر، والتي ساعدت على خلق حالة تجمع بين الشعرية والقسوة.

الإضاءة التي صممها عز حلمي كانت شريكًا حقيقيًا في صناعة الحالة النفسية للعرض 

كما لعب الـ«فيديو مابينج» الذي صممه إبراهيم أبو بكر دورًا مهمًا في تعزيز الفضاء البصري، بينما جاء المكياج الذي قدمته أمل حسام داعمًا لتحولات الزمن والعمر والانكسار النفسي.

وعلى مستوى الأداء التمثيلي، بدا واضحًا أن عمرو حسان لم يعتمد على البطولة الفردية، بل على خلق حالة جماعية متماسكة، وهو ما منح العرض روحه الحقيقية جميع الممثلين تحركوا كنسيج واحد، دون أن يفقد كل منهم خصوصية شخصيته.

وقدم الأبطال أداءً شديد التمكن، خاصة في التعامل مع اللغة والإيقاع المسرحي، دون افتعال أو مبالغة، فبدت الشخصيات وكأنها تعيش مصائرها بالفعل لا تؤديها فقط.

شارك في بطولة العرض: سيف مرعي، رضوى شريف، السيد إبراهيم، محمد رمضان، أحمد طه، مصطفى عبد الرازق، هادي عزت، كريم عباس، نور محمد، أحمد جمال، أسامة الدير، جنات ماجد، محمود دسوقي، وليد حربي، نوبي محمد، كارما سامح، أحمد النمس، محمد عبد الراضي، كنز عزت، عبد الرحمن أيمن، محمد المصري، رودينا سامح، جيسي هشام، أم إسلامي، معتز العطار، وأحمد فؤاد، وقد نجحوا جميعًا في رسم شخصياتهم بوضوح، وصناعة تفاصيل صغيرة منحت العرض صدقه الإنساني.

كما ضم فريق الإخراج: رنا عادل، محمود فتحي، بسملة رفعت، أندرو إميل، ومعتز العطار، بينما تولت صافيناز محمد مهمة الإخراج التنفيذي.

ومن أجمل ما صاحب العرض، كلمة الإهداء التي كتبها المخرج:

إلى تلك التي رحلت وتركت وراءها الخراب شكرًا فلولا الخراب، ما عرفنا كيف نعيد بناء أنفسنا.

وهي ليست مجرد جملة افتتاحية، بل مفتاح كامل لفهم العرض فكل الشخصيات هنا خرِبة بطريقة ما، وكلهم يحاولون ترميم أنفسهم، لكن البعض اختار الحب، والبعض اختار المال، والبعض اختار الجريمة.

«زيارة السيدة العجوز» ليس عرضًا عن مدينة بعيدة،بل عن الإنسان حين يُدفَع إلى حافة الاحتياج.

عن اللحظة التي يتحول فيها الجوع من ألم إلى مبرر.

وعن مجتمع لا يسقط دفعة واحدة، بل يسقط ببطء شديد، بداية من حذاء جديد، ونهايةً بجثة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى