صدى مصرقصص قصيرة

دِفْءُ الحُضُور بقلم/د.بكرى دردير

دِفْءُ الحُضُور

بقلم/د.بكرى دردير

في صباحٍ شتويٍّ ثقيل، كان يجلسُ وحيدًا قرب النافذة، يراقبُ المطرَ وهو يطرقُ الزجاجَ كأنَّه يذكّرهُ بشيءٍ غاب عنه منذ زمن.

ارتشف قهوته الباردة، لكنَّ البردَ لم يكن في يديه… بل في قلبه.

اعتاد أن يبدأ يومه بالصمت، حتى جاءت هي إلى حياته كنسمةٍ لا تشبه الفصول.

لم تكن تحمل معجزاتٍ ولا وعودًا كبيرة، لكنَّ في حضورها شيئًا يشبه الأمان الذي لا يُفسَّر.

في ذلك الصباح، دخلت بهدوئها المعتاد، ومدّت كفّيها إليه وهي تبتسم.

لمس دفءَ يديها، فشعر كأنَّ الشتاء كلَّه تراجع خطوةً إلى الخلف، وكأنَّ روحَه التي أرهقها الركضُ الطويل وجدت أخيرًا مكانًا تستريح فيه.

جلست بقربه تتحدث عن أشياء بسيطة؛ عن المطر، وعن الطريق، وعن يومٍ عابر…

لكنَّ صوتها لم يكن عابرًا أبدًا.

كانت الكلماتُ حين تخرج من شفتيها تُشبه بخارًا دافئًا يتسلل إلى صدره، فيذيبُ جليد الحنين المتراكم داخله، ويترك خلفه رائحةَ ياسمين.

وحين اقتربت أكثر، وأحاطته بذراعيها، أدرك شيئًا لم يفهمه من قبل:

أنَّ بعض الأحضان ليست مجرّد قربٍ… بل أوطانٌ صغيرة، تُعيد ترتيب الفوضى في القلب دون ضجيج.

نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم لأول مرة منذ أيام، وقال بصوتٍ خافت:

— أتعلمين؟ لم أكن أخاف الشتاء… كنتُ فقط أخاف أن أمرَّ به دونكِ.

فضحكت، بينما كان المطر خارج النافذة يواصل هطوله…

لكنَّ داخله، ولأول مرة، كان دافئًا بكلِّ الجهات.

زر الذهاب إلى الأعلى