أدب وثقافة

حين غادر نابليون مصر سرًّا، القائد الذي اختار مستقبله وترك جيشه يواجه المصير

التاريخ من وراء الستار

حين غادر نابليون مصر سرًّا،

القائد الذي اختار مستقبله وترك جيشه يواجه المصير

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

من فشل حصار عكا إلى انقلاب الثامن عشر من برومير، كيف تحوّل مشروع الإمبراطورية الشرقية إلى طريق نحو السلطة في فرنسا؟

هناك لحظات في التاريخ لا يُقاس معناها بما يحدث في ساحة المعركة وحدها، بل بما يقرره القائد حين يدرك أن مشروعه الكبير بدأ يضيق، وأن أمامه فرصة أخرى قد لا تتكرر.

في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: هل يستطيع القائد أن يواصل القتال؟ بل: هل يريد أن يواصل القتال، أم أن عينه أصبحت معلقة بمعركة أخرى، معركة قد تمنحه سلطة أكبر من تلك التي كان يحلم بها؟

في أغسطس عام 1799، كان نابليون بونابرت في مصر، يقود جيشًا جاء به قبل أكثر من عام، حاملًا مشروعًا عسكريًّا يتجاوز احتلال البلاد إلى تهديد المصالح البريطانية، ومحاولة فتح طريق النفوذ الفرنسي نحو الشرق.

كان قد فشل في اقتحام عكا، لكنه انتصر على القوات العثمانية في أبي قير البرية. وكان جيشه لا يزال قادرًا على القتال، غير أن موقعه الاستراتيجي أصبح بالغ الصعوبة: أسطوله دُمّر، واتصاله بفرنسا تعرّض لاضطراب شديد، والمقاومة لم تتوقف، والدولة العثمانية لم تتخلَّ عن محاولة استعادة مصر، وبريطانيا تملك القوة البحرية التي تستطيع بها التأثير في مصير الحملة.

وفي فرنسا، كانت الأوضاع السياسية والعسكرية تزداد اضطرابًا، وكانت أخبار الهزائم التي لحقت بالجيوش الفرنسية في أوروبا تفتح أمام نابليون احتمالًا جديدًا: أن يعود إلى بلاده لا بوصفه قائد حملة بعيدة، بل بوصفه الرجل الذي يستطيع انتشال الدولة من أزمتها، ثم الإمساك بزمام السلطة.

وفي ليلة 22 أغسطس 1799، اتخذ قراره.

غادر مصر سرًّا، تاركًا قيادة الجيش إلى الجنرال جان باتيست كليبر، واتجه إلى فرنسا، حيث سيصل بعد أسابيع، ثم يشارك في انقلاب الثامن عشر من برومير، الذي مهّد لتحوله إلى القنصل الأول.

هكذا غادر الرجل الذي أراد أن يجعل مصر بوابة إمبراطورية شرقية، ليصنع في فرنسا مستقبلًا سياسيًّا لم يكن ليضمنه لو بقي في مصر.

لكن هل كان رحيله مجرد هروب من حملة فاشلة؟ وهل كان بقاء نابليون قادرًا على إنقاذ الجيش؟ أم أن الحملة كانت قد دخلت مأزقًا تجاوز قدرة قائد واحد على تغييره؟

لفهم هذه الأسئلة، علينا أن نعود إلى الطريق الذي قاد نابليون إلى تلك الليلة.

أولًا: عكا… حين اصطدمت الطموحات بحدود القوة

لم تكن الحملة الفرنسية على مصر، منذ انطلاقها عام 1798، مجرد عملية عسكرية للاستيلاء على أرض بعيدة.

كانت فرنسا تسعى إلى إضعاف المصالح البريطانية، وتهديد طرق تجارتها، وفتح مجال جديد للنفوذ الفرنسي في الشرق. وكان موقع مصر يجعلها هدفًا استراتيجيًّا مهمًّا، لا سيما في ظل ارتباط المصالح البريطانية بطرق التجارة المؤدية إلى الهند.

لكن احتلال مصر لم يكن كافيًا لتحقيق هذا المشروع؛ فقد كان على نابليون أن يضمن استمرار الإمدادات، ويحافظ على جيشه، ويمنع الدولة العثمانية من استعادة المبادرة، ويجد طريقًا للتعامل مع القوة البحرية البريطانية.

وجاءت معركة النيل في أغسطس 1798 لتكشف حجم المشكلة.

فقد دمّر الأسطول البريطاني بقيادة هوراشيو نلسون معظم الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية. وبذلك أصبح الجيش الفرنسي في مصر معزولًا بدرجة كبيرة عن وطنه، وفقد إحدى أهم وسائل الاتصال والإمداد التي كان يحتاج إليها لاستمرار حملته.

لم يؤدِّ ذلك إلى انهيار الجيش الفرنسي فورًا، لكنه غيّر طبيعة الحرب. فأصبح نابليون مطالبًا بتحقيق أهدافه في أرض بعيدة، في وقت تعذّر فيه ضمان وصول التعزيزات والإمدادات بصورة منتظمة.

ثم جاءت محاولة التوسع نحو بلاد الشام.

في أوائل عام 1799، تحرك نابليون شمالًا، ونجح في الاستيلاء على عدد من المواقع، لكنه اصطدم بعكا، المدينة التي تحولت إلى نقطة فاصلة في مسار الحملة.

كانت عكا محصنة، ووجد المدافعون عنها دعمًا بريطانيًّا ساعد على إحباط محاولات الفرنسيين المتكررة لاقتحامها. وطالت المواجهات، وازدادت خسائر الجيش الفرنسي، وانتشرت الأمراض، وأصبحت صعوبات الإمداد أكثر وضوحًا.

وفي مايو 1799، رفع نابليون الحصار وانسحب نحو مصر.

لم يكن ذلك يعني أنه فقد قدرته على الانتصار في المعارك، لكنه كان إخفاقًا استراتيجيًّا؛ إذ تعثر الطريق الذي أراد أن يسلكه لتوسيع نفوذه خارج مصر.

لقد اكتشف نابليون أن السيطرة على مدينة أو إلحاق الهزيمة بجيش لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض مشروع سياسي وعسكري طويل الأمد.

وكانت عكا أول إنذار كبير بأن الحملة لن تسير وفق التصور الذي حمله قائدها عند انطلاقه.

ثانيًا: أبي قير البرية، انتصار في الميدان ومأزق في الاستراتيجية

عاد نابليون إلى مصر في يونيو 1799، بينما كانت القوات العثمانية تستعد لمحاولة جديدة لاستعادة البلاد.

وفي يوليو، نزلت قوات عثمانية قرب أبي قير، لتجد نفسها في مواجهة الجيش الفرنسي الذي تحرك لمهاجمتها.

وفي 25 يوليو 1799، حقق نابليون انتصارًا كبيرًا في معركة أبي قير البرية.

كان الانتصار مهمًّا؛ فقد أظهر أن الجيش الفرنسي، رغم خسائره ومشكلاته، لا يزال قادرًا على القتال وتحقيق التفوق في الميدان. كما أعاد إلى القوات الفرنسية قدرًا من الثقة بعد إخفاق عكا.

لكن هذا النصر لم يعالج الأزمة الأساسية.

فالأسطول الفرنسي لم يعد، وطرق الإمداد لم تصبح آمنة، وبريطانيا لم تفقد تفوقها البحري، والدولة العثمانية لم تتخلَّ عن هدف استعادة مصر.

كانت هناك مسافة واسعة بين الانتصار في أبي قير وبين تحقيق الغاية الكبرى للحملة.

والمفارقة أن نابليون استطاع أن يهزم القوات العثمانية في البر، لكنه لم يستطع تحويل ذلك الانتصار إلى ضمان استراتيجي لاستمرار الوجود الفرنسي في مصر.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في قراءة التاريخ: القدرة على كسب المعركة، والقدرة على مواصلة الحرب، والقدرة على تحقيق الهدف السياسي الذي بدأت الحرب من أجله.

قد ينجح القائد في الأولى، ويواجه صعوبة في الثانية، ثم يعجز عن بلوغ الثالثة.

وكان نابليون، بعد أبي قير، أمام جيش يستطيع القتال، لكنه لم يعد يملك الظروف التي تسمح له بالاطمئنان إلى مستقبل حملته.

وفي الوقت نفسه، كانت فرنسا نفسها تناديه من بعيد، لا باستدعاء رسمي إلى الحكم، بل بأزمة سياسية رأى فيها فرصة قد لا تتكرر.

ثالثًا: فرنسا التي تركها، والسلطة التي اقتربت

لم يكن نابليون غافلًا عما يجري في أوروبا.

كانت فرنسا تعيش أزمة سياسية في ظل حكومة الإدارة، بينما تعرضت الجيوش الفرنسية لانتكاسات خطيرة، وتراجعت مواقعها في عدد من المناطق التي سبق أن سيطرت عليها.

وقد وصلت إلى نابليون أخبار عن تدهور الوضع العسكري في أوروبا، بما في ذلك خسارة مواقع مهمة ووقوع مدن وحصون تحت الحصار. وتؤكد رسالته إلى كليبر المؤرخة في 22 أغسطس 1799 أنه أطلعه على أخبار عسكرية أوروبية، وشرح أن هذه الظروف جعلته يسرّع رحيله.

لكن الوثيقة تكشف جانبًا آخر مهمًّا: لم يكن نابليون يغادر من دون أن يترك ترتيبات للقيادة، بل عيّن كليبر خلفًا له، وترك له تعليمات بشأن إدارة الجيش والاتصال بفرنسا.

وهنا تصبح قراءة قراره أكثر تعقيدًا من وصفه بأنه فرار مفاجئ بلا حساب.

كان لديه مبرر عسكري وسياسي يتعلق بما يجري في فرنسا، وكان يدرك أن بقاءه في مصر قد يحرمه فرصة التدخل في أزمة بلاده. وفي المقابل، كان يعرف أن الجيش الذي يتركه وراءه لا يزال في أرض معادية، وأن الحرب لم تنتهِ.

لم يكن ثمة ما يضمن أن عودته ستقوده إلى السلطة، لكنه رأى أن احتمالات النجاح السياسي أصبحت تستحق المخاطرة.

وهذا هو جوهر القرار: لم ينتظر نابليون حتى يحسم مصير الحملة المصرية، بل اختار أن يخوض معركة السلطة في فرنسا قبل أن تغلق الأحداث أبوابها أمامه.

لم يكن رحيله نتيجة استدعاء رسمي من حكومة فرنسا لتولي الحكم، ولم يكن قد أصبح بعدُ صاحب السلطة التي سيحصل عليها في نوفمبر. لقد عاد ليشارك في الصراع السياسي، مستفيدًا من شهرته العسكرية ومن الأزمة التي كانت تضرب النظام القائم.

وهكذا انفصل، في حساباته، مستقبل الحملة المصرية عن مستقبله الشخصي.

رابعًا: ليلة الرحيل، رسالة تركت الجيش ولم تترك القيادة بلا بديل

في ليلة 22 إلى 23 أغسطس 1799، غادر نابليون مصر على متن الفرقاطة «مويرون»، برفقة عدد من كبار ضباطه، من بينهم برتييه ومورا ولان ومارمون، إلى جانب شخصيات أخرى من دائرته العسكرية والعلمية.

كان الرحيل سرًّا عن معظم الجيش، حتى لا يؤدي إعلان مغادرة القائد إلى اضطراب معنوي أو سياسي داخل القوات الفرنسية.

لكن من المهم ألا نخلط بين سرية الرحيل وغياب ترتيبات الخلافة.

فقد ترك نابليون رسالة إلى كليبر، مؤرخة في 22 أغسطس، تتضمن أمر توليه القيادة العامة للجيش. وشرح فيها أنه يعجّل المغادرة خشية عودة الدوريات البحرية البريطانية، كما أبلغه بالأخبار التي وصلته عن الوضع العسكري في أوروبا.

وهذه الوثيقة مهمة؛ لأنها تثبت أن نابليون لم يغادر من دون أن يحدد من يخلفه، لكنها لا تلغي السؤال الأخلاقي والسياسي عن توقيت قراره.

لقد ترك جيشًا يواجه ظروفًا صعبة، لكنه لم يتركه بلا قائد.

والفرق بين الأمرين جوهري.

فالمشكلة التي ورثها كليبر لم تكن مجرد غياب نابليون، بل طبيعة المهمة نفسها: جيش بعيد عن وطنه، وإمداد غير مضمون، وقوة بحرية بريطانية تضيق عليه، ودولة عثمانية تسعى إلى استعادة مصر، ومقاومة مصرية أظهرت أن الاحتلال لن يكون أمرًا مستقرًّا أو مقبولًا من الجميع.

أما نابليون، فقد وصل إلى فرنسا في 9 أكتوبر 1799، ثم شارك في انقلاب الثامن عشر والتاسع عشر من برومير، الموافقين 9 و10 نوفمبر، الذي أطاح بنظام الإدارة وأقام نظام القناصل.

وأصبح نابليون القنصل الأول، فاتحًا الطريق أمام سلطته المتزايدة، ثم أمام تأسيس الإمبراطورية لاحقًا.

لقد نجح في نقل مركز معركته من مصر إلى فرنسا، ومن ساحة الحرب إلى ساحة الحكم.

لكن النجاح الذي حققه لنفسه لا يجيب عن السؤال المتعلق بمصير الجيش الذي تركه وراءه.

خامسًا: كليبر، هل كان الانسحاب اعترافًا بالهزيمة؟

حين تولى جان باتيست كليبر قيادة الجيش الفرنسي، لم يكن أمامه الوضع نفسه الذي واجهه نابليون عند وصوله إلى مصر.

فقد كانت الحملة قد فقدت أسطولها، وتعثر مشروعها في بلاد الشام، واستمرت الحرب مع الدولة العثمانية، بينما أصبح الاتصال بفرنسا والإمداد منها مسألة شديدة الصعوبة.

وكان على كليبر أن يختار بين الاستمرار في حرب طويلة لا تتوافر لها ضمانات النجاح، وبين البحث عن تسوية تعيد الجيش إلى فرنسا وتحفظ ما يمكن حفظه من أرواح الجنود.

اتجه كليبر إلى التفاوض، لا لأنه لم يكن قادرًا على القتال، فقد أثبت لاحقًا كفاءته في معركة هليوبوليس، بل لأنه رأى أن الانتصارات العسكرية لا تكفي وحدها لتبرير استمرار احتلال مصر في ظل هذه الظروف.

وكانت لديه أيضًا مشكلة سياسية لا يمكن تجاهلها: فالحملة الفرنسية لم تواجه الدولة العثمانية وبريطانيا فقط، بل واجهت مقاومة مصرية متكررة للاحتلال.

لم تكن مصر أرضًا خالية من الإرادة السياسية، ولم يكن السكان مجرد مشاهدين لصراع بين إمبراطوريتين. فقد شهدت القاهرة انتفاضتين كبيرتين ضد الفرنسيين، في أكتوبر 1798 ومارس 1800، فضلًا عن أشكال أخرى من المقاومة والاضطراب في مناطق مختلفة.

وكانت هذه المقاومة جزءًا من الواقع الذي جعل السيطرة الفرنسية مكلفة وصعبة، وأسهمت في تقويض فكرة أن الاحتلال يمكن أن يستقر بمجرد الانتصار على قوة عسكرية منافسة.

ومن هنا، لم يكن سؤال كليبر فقط كيف يهزم العثمانيين، بل كيف يستطيع الاحتفاظ بمصر في ظل معارضة داخلية وضغط خارجي وعزلة استراتيجية؟

وكان التفاوض، في حساباته، محاولة لإيجاد مخرج من هذا المأزق.

سادسًا: اتفاق العريش، التسوية التي لم تصمد

في يناير 1800، توصل كليبر وممثلون عن الدولة العثمانية إلى اتفاق العريش، الذي استهدف إنهاء الحرب وإجلاء القوات الفرنسية عن مصر وإعادتها إلى فرنسا.

وكان الاتفاق يقوم على الانسحاب الفرنسي، مع ترتيبات تتعلق بعودة الجيش وسلامته خلال عملية الإجلاء.

لكن المسألة لم تكن اتفاقًا ثنائيًّا يمكن تنفيذه بمعزل عن بريطانيا؛ فقد كانت القوات البريطانية طرفًا أساسيًّا في الحرب، وكانت تملك القدرة البحرية التي يحتاج إليها أي إجلاء واسع للقوات الفرنسية.

وهنا تظهر التفاصيل التي تستحق الدقة.

كان الكومودور البريطاني سيدني سميث مشاركًا في الاتصالات والمفاوضات، لكنه لم يكن يملك وحده أن يضمن موافقة الحكومة البريطانية على التسوية. وكانت لندن قد أصدرت في ديسمبر 1799 تعليمات ترفض إبرام اتفاق يسمح للجيش الفرنسي بمغادرة مصر محتفظًا بسلاحه، وتتمسك باستسلامه بوصفه أسرى حرب.

غير أن هذه التعليمات لم تصل إلى سميث قبل إتمام اتفاق العريش، بل وصلت إليه بعد ذلك، فأبلغ الفرنسيين بالموقف البريطاني.

وبذلك تعطل الاتفاق، وعادت الحرب إلى مسارها.

هذه التفاصيل تغير طريقة فهم الحدث؛ فليس دقيقًا أن نقول إن بريطانيا وقّعت اتفاق العريش ثم نقضته، كما لو كانت طرفًا موقّعًا عليه. الأدق أن الاتفاق جرى بين الفرنسيين والعثمانيين، في سياق تفاوض شارك فيه ممثل بريطاني، ثم رفضت القيادة البريطانية شروطه التي كانت تسمح بإجلاء الجيش الفرنسي.

أما نابليون، الذي كان قد أصبح القنصل الأول، فلم يكن متحمسًا لفكرة أن ينتهي مشروع حملته بانسحاب تفاوضي يحفظ للجيش الفرنسي سلاحه، وقد عارض التسوية أيضًا.

وهكذا وجد كليبر نفسه أمام خيارين: قبول الاستسلام وفق الشروط التي أرادها خصومه، أو العودة إلى القتال على أمل تغيير الموقف العسكري.

فاختار القتال.

سابعًا: هليوبوليس، حين انتصر كليبر ولم ينتصر المشروع

في 20 مارس 1800، واجه كليبر القوات العثمانية في معركة هليوبوليس، قرب القاهرة، وحقق انتصارًا فرنسيًّا كبيرًا.

كانت المعركة دليلًا على أن الجيش الفرنسي لم يفقد كفاءته القتالية، وأن كليبر يستطيع قيادة القوات وتحقيق النصر حتى في غياب نابليون.

لكن هذا الانتصار لم يحل المشكلة الاستراتيجية التي واجهت الحملة منذ معركة النيل.

فلم تستعد فرنسا سيطرتها على البحر المتوسط، ولم تصبح خطوط الإمداد أكثر أمانًا، ولم تنتهِ المقاومة المصرية، ولم تتراجع بريطانيا عن هدفها المتمثل في إخراج الفرنسيين من مصر.

ثم اندلعت ثورة القاهرة الثانية في مارس 1800، في وقت كان كليبر منشغلًا بمواجهة القوات العثمانية. وقد قمعها الفرنسيون بعنف، ما زاد من كلفة الاحتلال وعمّق التوتر بين القوة المحتلة والسكان.

وفي 14 يونيو 1800، اغتيل كليبر في القاهرة على يد سليمان الحلبي.

كان اغتياله ضربة قاسية للقيادة الفرنسية، فقد فقد الجيش قائدًا استطاع تحقيق نصر عسكري كبير، لكنه لم يتمكن من تحويله إلى تسوية مستقرة أو إنهاء الحرب.

وتولى الجنرال جاك فرانسوا مينو القيادة بعده، ليجد نفسه أمام مرحلة أشد خطورة، مع اقتراب حملة بريطانية جديدة تهدف إلى إنهاء الوجود الفرنسي في مصر.

لقد ربح كليبر معركة هليوبوليس، لكنه لم يرث من نابليون مشروعًا قابلًا للتحقيق بسهولة، ولم يستطع أن يمنح الجيش ما كان يفتقده: طريقًا آمنًا للإمداد، وتسوية مقبولة من القوى المعادية، وظروفًا تسمح باستمرار الاحتلال.

وهنا تتكرر المفارقة التي صاحبت الحملة منذ بدايتها: الانتصار العسكري لا يضمن النصر السياسي.

ثامنًا: مينو، النهاية التي لم يستطع الانتصار تأجيلها

في مارس 1801، نزلت القوات البريطانية قرب أبي قير، لتبدأ مرحلة جديدة من العمليات العسكرية الهادفة إلى طرد الفرنسيين من مصر.

وجاء الإنزال في إطار حملة بريطانية أوسع، بالتعاون مع الدولة العثمانية، بعد أن أصبح إخراج القوات الفرنسية هدفًا مشتركًا بين الطرفين.

وفي 21 مارس، وقعت معركة الإسكندرية، المعروفة أيضًا بمعركة كانوب، بين القوات الفرنسية بقيادة مينو والقوات البريطانية بقيادة السير رالف أبركرومبي.

انتهت المعركة بهزيمة الفرنسيين، وأصيب أبركرومبي إصابة قاتلة توفي على أثرها بعد أيام. ومع ذلك، استمرت القوات البريطانية في التقدم، وتزايد الضغط على المواقع الفرنسية.

لم يكن الجيش الفرنسي يواجه خصمًا واحدًا، بل حملة عسكرية تجمع بين القوة البرية البريطانية والدعم البحري والتعاون العثماني، في وقت كانت فيه قدرته على الحصول على الإمدادات والتعزيزات محدودة.

تقدمت القوات البريطانية والعثمانية نحو القاهرة، وفرضت الحصار على المدينة. وفي أواخر يونيو 1801، انتهى الأمر باستسلام الحامية الفرنسية في القاهرة، ثم استسلمت القوات الفرنسية في الإسكندرية في 2 سبتمبر 1801.

وبذلك انتهى الوجود العسكري الفرنسي في مصر، وغادرت القوات الفرنسية البلاد على متن سفن بريطانية وفق ترتيبات الاستسلام والإجلاء.

كانت هذه هي النهاية الفعلية للمشروع العسكري الذي بدأه نابليون عام 1798.

لم تصبح مصر قاعدة مستقرة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق، ولم يتمكن الفرنسيون من الاحتفاظ بها، رغم ما حققوه من انتصارات في عدد من المعارك.

أما نابليون، فكان قد غادر قبل النهاية بعامين، وصنع في فرنسا مستقبلًا سياسيًّا صاعدًا، بينما تحمّل كليبر ومينو والجنود الفرنسيون تبعات حرب لم يعد قائدها الأول موجودًا لقيادتها.

تاسعًا: هل كان رحيل نابليون خيانة لجيشه؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب.

هل خان نابليون جيشه حين غادر مصر سرًّا، أم أنه اتخذ قرارًا سياسيًّا وعسكريًّا فرضته الظروف؟

إذا نظرنا إلى النتيجة وحدها، فقد يبدو الحكم بسيطًا: ترك جيشه في أرض بعيدة، ثم عاد إلى فرنسا واستولى على السلطة، بينما انتهت حملته بالفشل.

لكن التاريخ لا يُقرأ بالنتائج وحدها، بل بدراسة الظروف والخيارات التي كانت متاحة وقت اتخاذ القرار.

كانت الحملة تواجه مشكلات حقيقية قبل رحيله: الأسطول الفرنسي دُمّر، وحصار عكا انتهى بالفشل، والدولة العثمانية واصلت محاولات استعادة مصر، وبريطانيا امتلكت تفوقًا بحريًّا جعلها قادرة على تعطيل الإمداد والتأثير في مصير الجيش الفرنسي.

وكانت فرنسا نفسها تمر بأزمة عسكرية وسياسية، الأمر الذي جعل عودة نابليون فرصة قد لا تتكرر.

لكن وجود أسباب مفهومة للرحيل لا يعني أن القرار كان خاليًا من الحسابات الشخصية. فقد اختار نابليون ألا ينتظر نهاية الحملة، ورأى أن مستقبله السياسي في فرنسا يستحق أن يخاطر من أجله بترك جيشه تحت قيادة أخرى.

ولا نستطيع الجزم بأن بقاءه في مصر كان سيغيّر النتيجة النهائية؛ فقد كان من الممكن أن يحقق انتصارات أخرى، لكنه لم يكن يملك ضمانًا لاستعادة الأسطول أو إنهاء التفوق البريطاني أو تأمين إمدادات مستدامة.

كما أن غيابه لم يؤدِّ إلى انهيار فوري للجيش؛ فكليبر حقق انتصارًا مهمًّا في هليوبوليس، واستمر الفرنسيون في القتال أكثر من عام بعد رحيل نابليون.

لذلك، فإن الحكم التاريخي الأكثر إنصافًا لا يقوم على القول إن نابليون هرب لأنه كان عاجزًا عن القتال، ولا على تبرئة قراره باعتباره ضرورة عسكرية خالصة.

لقد كان قرارًا جمع بين أزمة الحملة وطموح صاحبه.

كان يدرك صعوبة الموقف في مصر، لكنه أدرك أيضًا أن فرنسا تمنحه فرصة للوصول إلى السلطة. وحين تعارض مستقبل المشروع المصري مع مستقبله السياسي، اختار الطريق الذي يخدم طموحه الشخصي.

لقد أنقذ نابليون مستقبله السياسي، لكنه لم ينقذ مشروعه المصري.

وهذه هي المفارقة التي تمنح رحيله دلالته التاريخية: قد ينجح القائد في إنقاذ نفسه من مأزق، بينما يترك مشروعه يواجه مصيرًا لم يعد يملك القدرة أو الرغبة في تغييره.

عاشرًا: مصر التي لم تصبح بوابة الإمبراطورية

لم تكن الحملة الفرنسية على مصر مجرد مغامرة عسكرية انتهت بالانسحاب، بل كانت محاولة لتغيير موازين القوة في الشرق، وتهديد المصالح البريطانية، وفتح مجال جديد للنفوذ الفرنسي.

لكنها اصطدمت بعوامل لم يستطع نابليون ولا خلفاؤه تجاوزها.

كان التفوق البحري البريطاني سببًا أساسيًّا في عزل الجيش الفرنسي، وأظهر فشل حصار عكا حدود قدرته على التوسع خارج مصر. كما أثبتت انتصارات أبي قير البرية وهليوبوليس أن النجاح في المعارك لا يكفي وحده لضمان السيطرة طويلة الأمد.

وفوق ذلك، لم يكن الاحتلال الفرنسي مقبولًا لدى قطاعات واسعة من المصريين، وشهدت البلاد مقاومة وانتفاضات دفعت القوات الفرنسية إلى استخدام العنف للحفاظ على سيطرتها.

ثم جاءت الحملة البريطانية العثمانية عام 1801 لتضع حدًّا للوجود الفرنسي.

ومع ذلك، لم تنتهِ آثار الحملة بانسحاب آخر جندي فرنسي. فقد تركت وراءها تجربة شديدة التأثير في العلاقات بين مصر وأوروبا، وفي التنافس على النفوذ في الشرق، وفي الطريقة التي جرى بها تصوير مصر ودراستها في الكتابات الأوروبية.

رافق الحملة علماء ومهندسون وفنانون، وأنتجت البعثة العلمية أعمالًا مهمة، من بينها كتاب «وصف مصر»، الذي بدأ نشره في السنوات التالية للحملة. لكن هذه الجوانب العلمية لا ينبغي أن تحجب طبيعة الغزو العسكري، ولا أن تجعل الشعارات التي رفعها الفرنسيون بديلًا عن دراسة أهدافهم السياسية والاستعمارية.

لقد كانت الحملة مشروعًا عسكريًّا استعماريًّا، حتى وإن ترتبت عليها آثار علمية وثقافية تجاوزت عمر الاحتلال نفسه.

ومن الخطأ أن نقرأها باعتبارها قصة انتصارات نابليون وحدها؛ فهناك أيضًا مقاومة المصريين، ومصالح الدولة العثمانية، والدور الحاسم للقوة البحرية البريطانية، ثم القرار الذي اتخذه نابليون حين رأى أن مستقبله في فرنسا أهم من البقاء في مصر.

لقد غادر نابليون، وصعد إلى قمة السلطة، ثم انتهى الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات من بدايته. أما المشروع الذي أراد به أن يجعل مصر قاعدة لنفوذ فرنسي واسع في الشرق، فلم يتحقق.

فليس كل من يستطيع احتلال أرض قادرًا على الاحتفاظ بها، وليس كل انتصار عسكري يضمن تحقيق الغاية التي بدأت الحرب من أجلها.

وفي الحلقة القادمة من :

«التاريخ من وراء الستار»

الحملة الفرنسية، ماذا تركت وراءها حين رحلت؟

هل انتهى أثر الحملة الفرنسية بخروج آخر جنودها من مصر؟ وما الذي تركته من آثار علمية وإدارية وثقافية؟ وكيف نقرأ التناقض بين البعثة العلمية التي صاحبت الحملة، وبين طبيعتها العسكرية الاستعمارية؟ ولماذا تجاوز تأثيرها حدود الهزيمة العسكرية التي انتهت إليها؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى