إضاءات نقدية
بقلم / نوره اشرف
إضاءة نقدية حول قصة (امرأة في سريري)
للكاتب / محمد صلاح المصري
١ـ نص القصة (امرأة في سريري)
“مرت سنوات ولم تنجب سوى طفلها الأول الذي مات في مهده. باءت كل محاولاتها بالفشل من زيارة الأطباء والمشايخ وأضرحة الأولياء الصالحين. زوجها يشعر بالقلق وأمه تحرضه يومياً على الزواج؛ فمن هم في سنه أبناؤهم أصبحوا طوله حسب قول أمه.
ماذا تفعل الآن؟ القلق يساورها ليل نهار والخوف يسترعى تفكيرها. هي متأكدة من حب زوجها لها، لكن عندما يتعلق الأمر بالأطفال يصبح لا قيمة للحب أمام أن يحمل الرجل طفلاً من صلبه وأن يرى جزءاً منه يمشي على الأرض ويكبر يوماً بعد يوم. تذكرت كلام زوجها لها قبل الزواج أنه يريد منها دستة أطفال، وهي الآن تعجز أن تنجب له طفلاً واحداً. فقد صبر كثيراً عليها، ولكنها الآن ترى أنه قد تغير وأن شيئاً ما يحاك ضدها.
تشعر بقدوم امرأة أخرى للمنزل تشاركها زوجها. باتت تراها في كل مكان، تشعر بها، تسمع صوتها، وتشم رائحتها، بل تراها عارية في سريرها مع زوجها. ماذا تفعل؟ لقد جربت كل شيء.
سمعت كلام إحدى السيدات المسنات بأنها لابد أن تخرج جسد طفلها الذي مات من قبره وتخطو عليه سبع مرات. رغم رعبها من بشاعة ما قد تراه، إلا أنها لم تكترث لأي خوف أمام أن ترى امرأة أخرى في بيتها. مرت ثلاثة أشهر على هذه التجربة وأيضاً لم يحدث شيء.
الآن بدأت تشعر بألم في بطنها وانقطعت الدورة الشهرية. انتفخت بطنها يوماً بعد يوم لكنها لا تريد أن تخبر أحداً، ربما يكون وهماً، إنها لا تصدق. لاحظت أمها انتفاخ بطنها وعلمت بانقطاع الدورة الشهرية عنها، وراحت تطلق الزغاريد لتملأ أرجاء القرية. فرح زوجها فرحاً شديداً وأراد أن يأخذها للطبيب ولكنها أبت ذلك وقالت إن الطبيب هو الله، ماذا فعل الأطباء طوال السنوات الماضية؟
مرت أيام والانتفاخ يزيد وزوجها يقول يبدو أنك تحملين توأم وأن الله سوف يعوض صبرنا خيراً. أصر أن يأخذها للطبيب رغم رفضها. بعد الكشف الطبيب طلب عمل تحاليل وأشعة. توجه زوجها بالأشعة والتحاليل للطبيب وهو يقول: كم طفلاً يا دكتور؟ تغيرت ملامح الطبيب وهو ينظر للأشعة والتحاليل، شخصت عيناه فاغراً فاه، بينما الأشعة والتحاليل تسقط أرضاً من يده “.
٢ـ الإضاءة النقدية ( حينما يقتلنا الأمل )
قد يبدو للقارئ للوهلة الأولى من عنوان القصة أننا أمام علاقة عاطفية، لكن بعد أسطر قليلة تتغير النظرة؛ حيث تناقش القصة قضايا شائكة لا يقع فيها أهل القرى وحدهم.
ومن هذه القضايا السحر، ونبش مقابر الموتى، وقسوة الحماة التي لا تراعي مشاعر زوجة ابنها، والضرب بكلام الأطباء عرض الحائط.
كانت وما زالت هذه القضايا وغيرها منتشرة بشكل كبير في المجتمع العربي، وهو ما آل إلى تدهور الأخلاق وموت الإنسانية.
وإن لم يحدد الكاتب الفترة الزمنية للقصة، غير أنني أكاد أجزم أن الزمان هنا كان ماضياً وما زال قائماً.
القصة كتبت باللغة العربية الفصحى وجاءت متكاملة الأركان: الشخصيات، المكان، الذروة، المفاجأة في آخر القصة والزمان.
ولكن ربما جاء الزمان في صورة الجهل الذي خيم على القرية ومرور السنوات التي عاشتها هذه السيدة دون حمل، هذا إن لم ترد أن تأخذها على الكاتب، أو قل إن للكاتب بُعد نظر في مسألة الزمان ؛ حيث عندما يتعلق الأمر بالإنجاب وموت الأبناء فإن الزمان يصبح بلا قيمة لذا لم يذكره الكاتب صراحة في قصته.
أما من حيث الذروة، فإنني أرى أنها كانت بمثابة قنبلة موقوتة لم تنفجر إلا بسقوط الأشعة والتحاليل من يد الطبيب.
هذه القصة هي من المجموعة القصصية “نسخة لا تشبه الأصل” وقد لمست العنوان في كل الشخصيات الواردة في القصة؛ فالزوجة العاقلة تحولت إلى وحش يخطو فوق جثة طفلها، وأم الزوج كادت أن تقف على عتبات الوسواس الخناس، والزوج المكلوم الذي لا حول له ولا قوة، والطبيب الذي لم يتمالك أعصابه ليخبر الزوج بما حدث لزوجته وحرمنا معه من رؤية الحقيقة معه .
سقوط الأشعة والتحاليل لم يكن سوى سقوط أسرة بأكملها قتلها الأمل، عجز الطبيب عن رؤية آمال هذا الرجل تموت لمجرد كلمات لو تغيرت حروفها لأصبحت الحياة وردية وتحول مأتم الأسرة إلى فرح ممتد النسل.








