مقالات

(راديو الحاجة نفسية بت زينب) بقلم / احمد عبد المهيمن – السودان

 

 

كان الليل إذا هبط على قريتنا يُلقي عليها سكونًا مهذبًا، سكونًا يعرفه الجميع كما لو أنه ضيف عزيز لا يريدون إزعاجه، لا يُسمَع فيه شيء سوى صوتٍ وحيدٍ يتسلل من راديو الحاجة نفيسة بت زينب، ذلك الصندوق العجيب الذي بدا وكأنه يعيش في كل زمان ومكان، يرافق أنفاسها منذ الفجر وحتى آخر الليل.
لقد كانت الحاجة نفيسة امرأة صلبة كجروف النيل، ملامحها نبتت من الطمي، وصبرها تربى على ضفاف النيل، دقيقة في عملها، قوّية القلب، تضع راديوها على صدر أمينتها في التكل، قرب عنقريبها الخشبي، وتضع تحته كورية اللبن التي يبردها نسيم الليل. لم يسمعها أحد تُغني يومًا؛ كان الراديو يغني عنها، ويطارد صدى حفيف ملابسها الخشنة كما يطارد صوتُ عكاز الخليفة أبوريدة خطواته نحو المسجد خمس مرات في اليوم.
كانت نفيسة تمد يدها إلى راديوها كما تمد الأم يدها لطفلها الصغير، فقد ظلت تربطه إلى صدر أمينتها بحبل بسيط مستأنسة به، فيهمس لها بصوت يتسلل إلى قلبها صوتٌ يذكرها بنعمٍ لا تُرى، ويحدّثها عن أناسٍ يكابدون ليلهم ونهارهم.
فتغلق عينيها، فيتسلل إلى خيالها اولئك البسطاء الذين تراهم كل صباح من الغبُش، ومشاهد من بحّارة يحلمون بظل، وعمّال تتصبب منهم الأرض عرقًا، أناس يسكنون بالإيجار لا طين، لا تمر…
فتتنهد في رضا وترفع يديها المرتجفتين للسماء هامسة:
اللهم لك الحمد.
وعندما جاءها حديث أم نعيم عبر الأثير—حديث الأم التي طمأنت ابنها البعيد بأن الرزق يسقط كالندى على أبوابهم—ابتسمت الحاجة نفيسة.
أدركت أن الغربة ليست قدرًا، وأن الخير يهبط أحيانًا بلا موعد، كما تهبط نسمة الجروف على قلب منهك.
ومع بزوغ الصباح، تنساب من تكلها المدائح النبوية كالبخور، تغشى القرية بطهرٍ يفوق رائحة قدحاتها الثومية، أمّا في المساء، فتمتلئ البيوت بأغاني الوطن، فتبدو القرية كلها كأنها جوقة واحدة تتنفس حب السودان يرددها راديو واحد يلهث بحب الوطن حتى يغفو.
لحظتها كانت النسمة القادمة من الجروف تتوضأ من ماء النيل قبل أن تصلها، تحمل معها برودة اللبن ودفء الأرض، فتدخل تكل الحاجة نفيسة كضيفةٍ لا تستأذن، فتُنعش وجهها، وتوقظ في صدرها حبًا عتيقًا لهذا البلد الذي يظنه بعضهم خرابًا ولكن باللحظة نفسها كان صديقها المربوط يتحرر بصوته وهو يعاتب من يُشيع خرابًا عن هذا البلد مرددا بأن الوطن يتجلى في القلب الذي يعطي وهو متعب، وفي بيت الطين، وفي الراكوبة، وفي التاية، وفي ذلك القدح المليان الذي لا يترك يدًا ممدودة إلا امتلأت.
حينها تتناول الحاجة كورية اللبن، وترتشف رشفتها الباردة الأولى، فتنشط كروحٍ تسري فيها حياة النهر. ثم تحاول صدّ جيوش التثاؤب القادمة مع النسمة، لكنها تستسلم في نهاية المطاف… غير أن استسلامها لا يكون للنوم فحسب، بل لطمأنينة وطنٍ تعرف خيره جيدًا.
ومع أولى نَسمات آخر الليل، حين يودّع الراديو الربوع، تكون القرية كلها قد نامت على وعدٍ جديد، بينما تغفو هي بحلم يشبه النيل العظيم، حلم ببلدٍ يعود أخضر كما كان، يهبه الله في كل صباح وجوهًا طيبة تضحك رغم المشقة، وتنام في آخر اليوم كالأطفال.

#وَيَبْقَى_الْأثَرْ
#قبل_أن_يفهم_الدنيا
#أحمد_عبدالمهيمن

https://www.facebook.com/share/1aecpzL9y7/

زر الذهاب إلى الأعلى