خذوا علمهم… واتركوا هويتهم لهم
كيف تحولت أمة تملك رسالة سماوية ومنظومة قيم متكاملة،
إلى أمة تبحث عن هويتها عند غيرها؟
بقلم: د. الشاعر و الأديب – عبد العظيم كحيل
– أبو بلال – طرابلس لبنان
ليست المشكلة أن نتعلم من الغرب، ولا أن نستفيد من علومه وصناعاته وتجربته؛ فالعلم ليس ملكاً لأمة دون أخرى، والحكمة لا تُرفض بسبب جنسية صاحبها.
قال صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها»
لكن المشكلة تبدأ عندما لا نكتفي باستعارة أدوات التقدم، بل نستعير معها أفكارنا وقيمنا ونظرتنا إلى الحياة، وكأن عقولنا معطلة لا تفكر إلا من خلال عقول الآخرين!
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده: كيف تحولت أمة تملك رسالة سماوية ومنظومة متكاملة من القيم والمبادئ إلى أمة تبحث عن هويتها عند غيرها؟
أولاً: ليست مشكلتنا نقص المبادئ، بل غياب الثقة بها.
نحن نملك كتاباً يضع الإنسان أمام مسؤولياته، ويعلمه العدل والرحمة والأمانة والكرامة والتكافل، ويجعل مراقبة الله أساساً للسلوك، لا مجرد رقابة خارجية يخشى الإنسان مخالفتها.
قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
أي معرفة أعمق بالإنسان من معرفة خالقه به؟
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
ومع ذلك، أصبحنا نبحث عن تعريف الأخلاق والتربية واحترام الإنسان في كتب الآخرين، وننسى أن لدينا أصلاً عظيماً يمكن أن نبني عليه، ونقدمه للعالم بلغة العصر.
ثانياً: الغرب لم يتقدم لأنه تخلى عن هويته، فلماذا نتصور أن تقدمنا مشروط بالتخلي عن هويتنا؟
لا أحد ينكر ما حققه الغرب من تقدم علمي وصناعي وتقني، ولا أحد عاقل يرفض الاستفادة منه.
لكن هل يعني ذلك أن نتخلى عن شخصيتنا لنصبح نسخة عنه؟
اليابان استفادت من علوم العالم وتقنياته، والصين فعلت ذلك أيضاً، ومع ذلك حافظتا على خصوصيتهما الثقافية والحضارية.
فلماذا نخلط نحن بين امتلاك أسباب القوة وبين تقليد الآخرين في كل شيء؟
قال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه»
نأخذ من الغرب علمه وانضباطه وإتقانه، وهذا حق مشروع، لكننا لسنا مضطرين إلى استيراد كل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، ولا إلى جعل تجربته مرجعاً مطلقاً نحاكم إليه أنفسنا.
فالاستفادة من الآخر قوة، أما الذوبان فيه ففقدان للذات.
ثالثاً: حين تصبح مرجعيتنا خارجنا، نفقد القدرة على صناعة مستقبلنا.
المشكلة ليست في وجود مفكرين ومثقفين يقرؤون للغرب، فهذا أمر محمود، بل في أن يتحول بعضهم إلى ناقلين لأفكاره دون تمحيص، وكأن كل ما يأتي من الخارج تقدم, وكل ما نملكه نحن تخلف!
وهنا تضيع المسافة بين التعلم والتبعية.
قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
فنحن أمة لها أمرها ونهيها من خالقها، لا من توافق البشر وأهوائهم.
نحن لا نحتاج إلى نخبة تردد ما يقوله الآخرون، بل إلى عقول تفهم واقعها، وتستفيد من تجارب العالم، ثم تنتج فكراً يناسب مجتمعاتها ويحترم ثوابتها.
فليس كل جديد صحيحاً، وليس كل قديم متخلفاً، والميزان دائماً هو الحق والواقع والمنفعة، لا اسم صاحب الفكرة ولا مصدرها.
رابعاً: لا نستعيد مكانتنا بالشعارات، بل بإعادة بناء الإنسان.
ليس كافياً أن نفتخر بتاريخنا، ولا أن نردد أننا كنا أساتذة العالم، فالتاريخ الذي لا يتحول إلى وعي وعمل يصبح مجرد حكايات نتغنى بها.
لقد كان لنا حضور علمي وحضاري كبير، وأسهم علماء المسلمين في بناء المعرفة الإنسانية، لكن ذلك لم يكن نتيجة الانتساب إلى التاريخ وحده، بل نتيجة العلم والعمل والبحث والاجتهاد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»
وهذه هي البداية الحقيقية: أن نعيد الاعتبار للعلم، ونحترم العقل، ونربي أبناءنا على الإيمان والمعرفة معاً، ونبني مؤسساتنا على الكفاءة والعدل، لا على المحسوبية والتبعية.
أخيراً: خذوا من العالم ما ينفعكم، ولا تتخلوا عما يصنع شخصيتكم.
لسنا مطالبين بأن نعيش خارج العصر، ولا أن نغلق أبوابنا أمام تجارب الآخرين، بل أن ندخل هذا العصر بثقة، لا بعقدة النقص، وبهوية واضحة، لا بشخصية مستعارة.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
إن ديننا ليس عبئاً على تقدمنا، بل إن فهمه الصحيح وتطبيق قيم يمكن أن يكونا من أعظم دوافع نهضتنا.
فلا نريد أن نكون نسخة من الغرب، ولا أن نعيش أسرى أمجاد الماضي؛ نريد أن نكون أمة تعرف من هي، وماذا تريد، وكيف تستفيد من العالم دون أن تفقد نفسها.
فالمشكلة ليست أننا نتعلم منهم، بل أننا أحياناً ننسى أنفسنا ونحن نتعلم!
اللهم رد أمتنا إلى رشدها، واجمع كلمتها، وأعد إليها الثقة بدينها وعقول أبنائها.
أخوكم المحب
عبد العظيم كحيل – أبو بلال
طرابلس لبنان








